أرشيف شهر Uncategorized

الخيم الرمضانية بمصر للاحتفال وإيواء المشردين أيضا

في منطقة المقطم بالقاهرة، يجمع الواقع المصري مشهدين متناقضين للخيام في رمضان. ففوق سفح الجبل عشرات المقاهي والكازينوهات تفترش خيما للترفيه والسهر احتفالا بشهر الصوم على طريقتها، وأسفله أقيمت خيم أخرى تؤوي آلاف المشردين في حادث الانهيار الصخري بالدويقة.
وإذا كان عنوان الخيم الرمضانية يثير الجدل الديني والأخلاقي بعد تحولها من قاعات أدبية ودينية إلى قاعات للرقص وتدخين الشيشة، فإن نحو مائة خيمة إيواء نصبت أسفل المقطم تبقى شاهدا على فشل حكومي جديد في التعامل مع الكوراث أو درئها، وتبقى النظرة بين ساكني خيم أسفل الجبل وأعلاه تجسيدا حقيقيا للهوة الاقتصادية والاجتماعية وحالة اللامبالاة التي تشهدها مصر.
ويعترض علماء الدين على الحفلات الراقصة ومجالس شرب الشيشة بالخيم التي تقيمها الفنادق والمقاهي، كما ينتقد برلمانيون إقامة دوائر حكومية حفلات إفطار وسهرات رمضانية فاخرة ترهق خزينة الدولة التي تعانى ميزانيتها من عجز متزايد.
وتفيد تقديرات غير رسمية بأن حجم الإنفاق على الخيم الرمضانية في مصر تجاوز مائة مليون جنيه (18.47 مليون دولار) العام الماضي، يتوقع أن يصل هذ العام إلى 150 مليونا، وهو مبلغ يراه الأستاذ شاهين السيد الموظف بهيئة النقل العام وأحد سكان حي الدويقة المنكوب كافيا لحل أزمة البيوت العشوائية بالمنطقة.
وقال السيد للجزيرة نت “هذا المبلغ يكفي كمرحلة أولى لتأسيس نحو ألفي وحدة سكنية لأهالي العشوائيات بالدويقة، ويمكن أن يكمل الأهالي باقي ثمن الشقق بنظام الأقساط، والبنوك الحكومية يمكن أن تلعب دورا فاعلا في هذا”.
وأكمل مبروك راجح (عامل) وهو يقف أمام خيمته أسفل المقطم “لا نريد أخذ الأموال من الأغنياء بالقوة، لكن عندما تكون كل أموال البلد مع بضعة رجال أعمال وباقي الشعب يعيش تحت الأرض نكون بصدد حالة من الظلم والسرقة، فخير البلد يذهب إليهم وحدهم فقط”.

تعليقا على هذه الحالة قال الرئيس السابق لمركز أبحاث الشرق الأوسط الدكتور عمار علي حسن إن غياب الثقافة والشعور المشترك بالآخرين لدى طبقة الأغنياء الجدد هو السبب في حالة اللامبالاة السائدة حاليا والتي تتجسد في مشهد المقطم هذا العام.

طبقة طفيلية
وأضاف أن الأغنياء فيما مضى كانت لديهم ثقافة عامة تجعلهم أكثر ميلا للقيم الإنسانية مثل العدل والتعاون وكانوا يرون أن زيادة الهوة بين الطبقات ليس في صالحهم أو صالح المجتمع، لكن الطبقة الجديدة منهم الآن طبقة طفيلية، أصبحت ثرية بين يوم وليلة لذلك نجدها أكثر ميلا إلى الانغلاق والأنانية والخلاص الفردي.
وأشار حسن إلى تنامي حالة اللامبالاة في مصر نتيجة غياب التحالف الشعبي الذي كان موجودا أيام ثورة 1919 والمشروعات القومية كالسد العالي، وهو تحالف يجمع الأغنياء والفقراء ويجسر الهوة بينهما ويعمل على تقريب أنماط الحياة في البلد. واعتبر أن الناظر لحياة الأغنياء والفقراء في مصر لا يصدق أنهم يعيشون في دولة واحدة.

شباب يدخن الشيشة داخل إحدى الخيم الرمضانية (الجزيرة نت)
وعرض حسن تفسيرا آخر لحالة اللامبالاة المصرية وهو تحول رمضان لشهر فلكلوري نتيجة حالة التدين الشكلية والطقوسية التي سيطرت على الروح الدينية المصرية مؤخرا.
وقال إن “الصيام لم يعد تربية للإرادة ولا إشعارا للنفس بمعاناة الفقير، وإلا لما رأينا هذا التناقض بين خيم الأغنياء أعلى المقطم ومساكن الإيواء أسفله”.
ويؤكد أهالي الدويقة أنهم تقدموا بشكاوى عدة إلى السلطات المحلية يبلغونها فيها بأنهم في خطر ويطالبون بتسليمهم شققا ضمن مشروع إسكاني أقامته المحافظة أعلى جبل المقطم، ولكنهم لم يجدوا أي إستجابة وتم تجاهل شكاواهم.

أترك تعليقا

فنان إيطالي يحتفي بالحرف العربي في معرض فني بالمغرب

يحتل الحرف العربي مكانة رفيعة في أعمال الفنان الإيطالي كرم سيباستيانو كاناريلا المقيم بالمغرب منذ مدة طويلة. وفي معرضه المقام بالمركز الثقافي الإيطالي بالرباط من فاتح سبتمبر/ أيلول إلى نهايته، يقدم الفنان الصقلي المنشأ عام 1942، مجموعة من الأعمال واللوحات تعكس شغفه بالحرف العربي والقرآن الكريم والسنة الشريفة والحضارة الإسلامية في صقلية.

منذ الطفولة

كاناريلا: بما أنني مسلم فأعمالي الفنية تقرب الإسلام من الزوار والمهتمين (الجزيرة نت)

ويفسر كاناريلا هذه المكانة بتعرفه المبكر على التراث العربي الإسلامي وهو في الثالثة من عمره بجزيرة صقلية الموجودة جنوب إيطاليا، قائلا “بما أنني ولدت في صقلية، فتحت عيني منذ وقت مبكر على الميراث الإسلامي في هذه الجزيرة، وقادني هذا التأثر إلى الاهتمام بالحضارة وكتابة المصحف كله”.

وبعد فترة من الدراسة، اختار الفنان الصقلي الاشتغال بالتراث الإسلامي مبتدئا بالقرآن الكريم والحديث الشريف ورموز دينية، فأنجز عدة لوحات عن الملك جبريل عليه السلام ونبي الله نوح عليه السلام. كما أنجز 1300 لوحة عن القرآن الكريم و45 لوحة عن الحديث يستلهم فيها النصوص ومعبرا عن معانيها في لوحات تجريدية.

واعتنق كرم كاناريلا دين الإسلام، جاعلا من التعبير الفني عنه شغله الشاغل، إذ يقول “بما أنني مسلم، فإن أعمالي الفنية تقرب الإسلام من الزوار والمهتمين، فكل ما هو مكتوب وكل الأشكال الهندسية وفن الأرابيسك، كل ذلك تلتقي في كتابة القرآن الكريم”، مضيفا أن “هذا هو سر احترامي الشديد وعاطفتي الجياشة للحرف العربي”.

وحقق كاناريلا شهرة عالمية وعربية بمعارضه المتنقلة بين فيرساي وباريس ولندن وموناكو وروما، حتى جاءت سنة 1991 حيث شارك بمعرض ناجح بالقاهرة حاز فيه على إعجاب النقاد. وفي سنة 1995 استضيف بالمملكة العربية السعودية لتقديم لوحاته.

نموذج للتعارف الثقافي

يفتح كاناريلا مقاربة رمزية غير مسبوقة تعبرعن أكبر شيء بأقل شيء (الجزيرة نت)

وكاناريلا فنان يشتغل بالنحت أيضا، ويحدث له أن يحول آلات موسيقية إلى لوحات يجسد فيها مهارته وجمال ألوانه. وأحب شيء لديه هي السلاحف الملونة التي يرى فيها الحكمة والفأل الحسن وطول العمر. كما ينجز مجسمات للكتب وصدر الإنسان مستودع الأسرار.

ويرى جيورجيو ساليرنو، مدير المركز الثقافي الإيطالي بالمغرب، أن كاناريلا يعد نموذجا ناجحا في التقارب الثقافي بين الدول الأوروبية والدول العربية الإسلامية وفي تحاور الحضارات. وأضاف في حديث للجزيرة نت أن مثل هذه النماذج تسهم في تمتين الروابط الثقافية والتاريخية وتصلح ما تفسده السياسة.

وحسب شهادة الناقد الفني عبد الله الشيخ التي وردت في كراسة حول الفنان حصلت الجزيرة نت على نسخة منها، فإن كاناريلا المتعلق بعقيدته الإسلامية، يجسد العلاقات المتشابكة مع الفضاء المعاش، وبانغماره بين الخطوط المتحولة وانبهاره باللغة المدهشة للألوان والرموز، يفتح كاناريلا مقاربة رمزية غير مسبوقة تحيي تراث الأجداد المنشغل بالتعبير عن أكبر شيء ممكن بأقل شيء ممكن، وإعطاء قيمة للمكان الذي ننتمي إليه”.

اختيار المغرب
واختار كرم الإقامة بالمغرب منذ أكثر من عقد من الزمن، لشعوره بأن المغاربة يتشابهون كثيرا من الصقالبة في الخلقة والتركيبة النفسية، على حد قوله. كما أنه لا يعرف للغربة معنى ولا وجودا بين كثير من معارفه وأصدقائه المغاربة، فكأنه في بلده.

وفي المغرب نظم كاناريلا كثيرا من المعارض بالدار البيضاء والرباط ومدن مغربية أخرى، وفي 1997، أنجز لوحات للعائلة الملكية في ذكرى رحيل الملك السابق الحسن الثاني بمسرح محمد الخامس.

أترك تعليقا

كانت منطقة جبلية امتدادًا متصلًا بجبل أبي قبيس ويعتبر جزءً منه، وكنت أصعد من منطقة السعي في الصف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلا شك أنّ عبادة الحج والعمرة عبادة ضرورية لصلاح قلب كل مسلم ومسلمة استطاعوا السبيل إلى بيت الله الحرام، لا يقوم غيرهما مقامهما في تحصيل الهداية والنور والصلاح، ولذا جعلهما الله سبحانه فريضة على عباده فقال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [سورة آل عمران: من الآية 97]، وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم الركن الخامس من أركان الإسلام، ولابد أن يحرص كل مسلم على تأدية هذه المناسك كما شرعها الله.

والأماكن التي جعلها الله منسكًا لها خصوصية في تحصيل التزكية لا تحصل بغيرها، ولو تأملنا دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يبنيان البيت: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة البقرة: 127-129]، لوجدنا أن دعوة {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} وسط أعظم الضرورات الدينية والأخروية من القبول عند الله وتحقيق الإسلام لهما ولذريتهما، والتوبة، وبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو لم تكن معرفة المناسك ضرورة من الضرورات لما كان هذا موقعها وسط هذه الدعوات والمطالب الشريفة.

ووسط الخلافات المعاصرة حول مشروع توسعة المسعى والسعي في المسعى الجديد حيث لا يمكن للمعتمر الآن إلاّ أن يسعى في المسعى الجديد، ولربما ما تمكن أحد من السعي إلاّ فيه لو جعل المسعى القديم من المروة إلى الصفا، والجديد من الصفا إلى المروة وأظنه المقرر، فإنّنا ندعوا بهذه الدعوة {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} سائلين الله الهداية في هذه المسألة العظيمة الجليلة قبل أن نتكلم فيها.

قد تباينت وجهات النظر في حكم المسألة وطريقة الاستدلال وطريقة معالجة الخلاف تباينًا كبيرًا، نسأل الله تعالى أن ييسر إزالة آثاره السلبية على المسلمين.

فمن قائل: “بأن العمرة لا تجوز حتى ينتهي العمل، ويعود المسعى القديم إلى العمل لأن السعي ركن”. ولا أدري ما يقول أصحاب هذا الرأي في الحج لو استمر الأمر على ما هو عليه أو جُـعِـل المسعى القديم اتجاهًا واحدًا، فإنّ السعي في الاتجاه المعاكس لاتجاه النّاس في زحام الحج سيؤدي إلى كارثة حقيقية، وتعطيل فريضة الحج لا يقول به عالم.

ومن قائل: “بوجوب الدم على من سعى في المسعى الجديد لأنّه ترك واجبا”ً.

ومن قائل: “بأنّ من أحرم بعمرة فهو محصَـر وعليه هدي الإحصار”.

ومن قائل: “بجواز التوسعة ولو إلى خارج حدود ما بين الصفا والمروة” زاعماً بأنّ الزيادة لها حكم المزيد، هكذا بإطلاق.

ومن قائل: “بجواز السعي في المسعى الجديد، لأنّه في حدود ما بين الجبلين بالشواهد التاريخية والجيولوجية وشهادة الشهود ولا تجوز الزيادة عن ما بين الجبلين”.

وقد طالعت أدلة كلٍ فوجدت المانعين ـ ومنهم أكثرية علماء هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية التي اتخذت بالأكثرية منذ سنتين قرارًا بعدم جواز التوسعة الأفقية بمن فيهم سماحة المفتي العام للمملكة ـ يبنون كلامهم على فتوى سابقة للشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ بأنّ المسعى القديم ـ في التوسعة السعودية الأولى ـ مستوعب لمكان السعي عرضًا لا تجوز الزيادة عليه، واعتماد هذه الفتوى على ما ذكره بعض العلماء المتقدمين من أنّ عرض المسعى بنحو من خمسة وثلاثين ونصف ذراعًا ـ على ما ذكر الأزرقي في كتابه أخبار مكة 2/95 ـ، وأنّ هذا العرض حد للمسعى، وأنّ هذه الحدود هي من المشاعر التي حافظت عليها الأجيال، وأنّه لا مجال للاجتهادات في تغيير المشاعر وأحكام الحج ـ كما ذكر ذلك الشيخ الفوزان حفظه الله ـ.

وأمّا الفريق الآخر الذي يجيز التوسعة فمنهم من يبني كلامه على التيسير على المسلمين، وأنّ المحدود ـ وهو عرض المسعى ـ لا يمكن أن يتسع لغير المحدود ـ وهو أعداد المعتمرين والحجاج المتزايدة ـ فلابد من التوسعة ولو زادت سبعين ضعفًا ـ كما قال بعضهم ولا حول ولا قوة إلاّ بالله ـ.

ومنهم من بنى كلامه على أنّه لابد من السعي بين الصفا والمروة، ولكن اتساع الجبلين وامتدادهما كان أكثر مما هو عليه الحال في العمارة الحالية، وذلك بشهادة الشهود العدول وبالحقائق الجيولوجية المشاهدة، وبالأخبار المذكورة عن المتقدمين من العلماء.

مناقشة أدلة المانعين:

وبالنظر في أدلة المانعين لا نرى أنّ ما احتجوا به يصلح دليلًا على المنع؛ لأنّ النص القرآني: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 158]، لم يشترط إلاّ أن يكون السعي بينهما، فكل ما كان بين الجبلين وحدودهما القديمة من أيام النبي صلى الله عليه وسلم فهو مكان للسعي، وقد ثبت بالدلائل المشاهدة والمسموعة حصول تغيير في حجم الجبلين في العمارات المتعددة، فالعبرة بما كان موجودًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وما قبله وما هو مشاهد من آثار التغيير، وليس أنّ إزالة جزء من صخور الجبلين يغير الحكم الشرعي في السعي بين مكان هذه الصخور ولو سوي بالأرض.

وفي قرارات هيئة كبار العلماء زمن الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ النص على الموافقة على الاقتراح بتكسير صخر الصفا والمروة؛ لتيسير حصول السعي في العربات، وهذا الذي تم في العمارة السعودية الأولى، ثم ما كان في التوسعة الثانية من إنشاء طريق للمشاة بين جبل الصفا وجبل أبي قبيس، وذلك بإزالة جزء من جبل الصفا كما هو معلوم من كلام أهل العلم في تعريف جبل الصفا، وأنّه جبل في سفح جبل أبي قبيس، وقد ذكر أبو إسحاق الحربي في وصفه لجبل الصفا أنّ طرفًا من جبل أبي قبيس يتعرج خلف جبل الصفا.

والصور الفوتوغرافية الملتقطة تدل على امتداد جبل الصفا إلى جبل أبي قبيس ـ الذي عليه الآن قصر الضيافة ـ، وقد ذكر فضيلة الشيخ عويد المطرفي: “أنّ التغيير الذي وقع لجبل الصفا وقع على مرحلتين أولاهما عام 1375هـ، حين قطعت أكتاف جبل الصفا، وفتح عليها شارع لمرور السيارات يصل بين أجياد والقشاشية، والثانية: في عام 1401هـ حين أزيل هذا الشارع وقطع الجبل من أصله وفصل موضع الصفا عن الجبل، وفتح بينه وبين الجبل الأصلي طريق متسع للمشاة بين ما بقي من أصل الجبل وبين جُـدُر الصفا، بيد أن أصله وقاعدته موجودة تحت أرض الشارع المذكور”.أ.هـ. من عويد المطرفي في كتابه [رفع الأعلام بأدلة توسيع عرض المسعى المشعر الحرام ص9].

والشيخ المطرفي أثبت شهادته كتابة، وشهادة في المحكمة العامة بمكة بتاريخ 25/12/1427هـ مع غيره من الشهود أمام القاضي الشيخ عبد الله بن ناصر الصبيحي، نقلًا عن كتاب [توسعة المسعى عزيمة لا رخصة] أ. د/ عبد الوهاب أبو سليمان.

وقد يسر الله لي شخصيًا الدخول إلى موقع المشروع الحالي في شهر جمادى الأولى 1429هـ، إلى موقع هذا الشارع المذكور فرأيت بنفسي امتداد صخور ما بقي من جبل الصفا ـ وهو ما كان يقف عليه النّاس داخل المسعى القديم ـ إلى سفح جبل أبي قبيس ـ الذي عليه قصر الضيافة ـ مما لا يشك معه الناظر أنّه امتداد للجبل، وأنّه صخر واحد متصل، فضلًا عن الدراسات الجيولوجية المؤكدة لذلك، وإن كان الأمر لا يحتاج إلى ذلك، لأنّه في منتهى الوضوح. وأنا أدعو المشايخ الذين منعوا من توسعة المسعى إلى إدراك الفرصة قبل أن يتم العمل، ويتغطى المكان بالرخام وغيره، وأن ينزلوا بأنفسهم لمعاينة المكان وعندها أظن أنّ الأمر سيختلف في كلامهم.

وكذا في أمر المروة فإنّ امتداد الصخر امتدادًا واحدًا إلى أوسع من مساحة المسعى الجديد عرضًا بحيث أنّها تتسع لمزيد من التوسعة، وكلها بين الصفا والمروة حيث أنّ المروة جزء من سفح جبل قعيقعان، وامتداد صخوره شرقًا واضح ظاهر للعيان.

وقد أخبرني من شاركوا في أعمال الحفر من إخواننا العمال المصريين أنّ أرض المسعى بعد الجبلين، إنّما هي أتربة خالية من الصخر إلى أن يصل الحفر إلى الماء، بخلاف موضع الجبلين فإنّ صخورهما واضحة الامتداد، وكانت قبل ذلك مرتفعة عن سطح الأرض كما دلت عليه الصور وشهادة الشهود والكلام التاريخي للعلماء(1).

وأمّا ما ذكره بعض المتقدمين من تحديد عرض المسعى بـ 35.5 ذراعًا فهو في الحقيقة وصف للواقع الذي شاهدوه وليس ذلك بتحديد شرعي يلزم الرجوع إليه، بل الواجب أن يكون السعي بين الصفا والمروة، وقد كانت البيوت مقامة على الصفا وعلى المروة، والحوانيت التي أزيلت كانت أيضًا في المسعى قبل العمارة السعودية الأولى. فهل لو قيس المسعى عرضًا في وجودها يكون ذلك تحديدًا شرعيًا ملزمًا، وهي قد أخذت جزءً من المسعى كما أخذت البيوت القديمة جزءً منه؟

ولو أنّ أحدًا قاس قطر المطاف اليوم شمالًا وجنوبًا أو شرقًا وغربًا، ووصف ذلك الواقع هل يكون ذلك تحديدًا شرعيًا لا يجوز أن يوسع بعد ذلك؟

الذي لا نشك فيه أنّ هذا ليس تحديدًا شرعيًا؛ حيث لم يحدده النبي صلى الله عليه وسلم ولا حدده المسلمون بحدود معلومة كما حددوا وتناقلوا أعلام الحرم والمشاعر الأخرى، فكان الواجب في السعي هو أن يكون بين الصفا والمروة على ما كانا عليه قبل أن تنالهما التغييرات بالتكسير أو النسف أو البناء عليها أو بينهما.

ولذا نرى أنّ الأدلة التي بنى عليها المانعون كلامهم لا تصلح دليلًا للمنع.

وأمّا المجيزون فمن بنى كلامه على مجرد التيسير والمصلحة دون ضابط ما بين الجبلين، فيلزمه تغيير المناسك والمشاعر، ولا نشك في بطلان هذا المسلك؛ فالتيسير لابد أن يكون منضبطًا بضوابط الشرع وما حدده. فعرفة والمزدلفة ومنى والحرم، وغير ذلك من المشاعر أماكن معينة أراها اللهُ إبراهيمَ عليه السلام، وتناقلها المؤمنون إلى يومنا هذا وإلى ما بعده، لا يسع أحدًا أن يغير ما أُجمع عليه منها بزعم التيسير والمصلحة وإلاّ دخل في تشريع ما لم يأذن به الله سبحانه.

ولا شك أنّ قول من يقول إنّ المحدود لا يتسع لغير المحدود كلام باطل، واستدلال بالقواعد في غير موضعها. ثم كيف لا يكون عدد الحجاج محدودًا وهم في النهاية بشر معدودون ليسوا يزيدون إلى ما لا نهاية؟ ثم التوسعة الرأسية مع الأفقية كافية ـ إن شاء الله ـ لأضعاف هذه الأعداد، مع الالتزام بأماكن المشاعر وحدود المناسك التي شرعها الله، وإنّما تضيق الأمور بسبب من صنع النّاس كما ضاقت منى بسبب طريقة بناء الخيام الواسعة، وحجز أماكن لأناس مخصوصين، ولو استعملت التوسعة الرأسية لما ضاق الأمر ـ إن شاء الله ـ.

وأنا أنتهز هذه الفرصة لإسداء النصح للقائمين على المشاعر ـ وفقهم الله ـ، بشأن امتداد الخيام إلى مزدلفة لعدم وجود الأماكن بمنى مع سعتها بوجوب إعادة النظر في ذلك، فإنّه كان سببًا في تضييق مزدلفة بالمساحات الهائلة التي ملئت بالخيام التي لا تُستعمل ليلة النحر ـ ليلة مزدلفة ـ، ممّا أدى إلى افتراش النّاس الطرق المرصوفة ممّا يؤدي كل عام إلى بقاء الآلاف في عرفة في سياراتهم إلى الفجر، بل وإلى ما بعد طلوع الشمس ممّا يفوت عليهم واجب ذكر الله عند المشعر الحرام، وهو إمّا واجب أو ركن عند البعض من أهل العلم، بخلاف المبيت بمنى فإنّه ليس ركنًا عند أحد من أهل العلم ويسقط للعذر كالرعاة والسقاة، فمن لم يجد بمنى مكانًا سقط عنه ذلك، ولا وجه لإلزامه بالمبيت بمزدلفة بدلًا منها بدعوى اتصال الخيام فالخيام ليست مقصودة شرعًا، بل هي مجرد وسيلة بخلاف صفوف الصلاة.

ويمكن لمن لم يجد مكانًا بمنى ـ إن عجزنا عن التوسعة الرأسية ولو بالبناء فإنّ حديث النهي عن البناء بمنى حديث ضعيف ـ، يمكنه أن يبيت بمكة أو بأي مكان من الحرم، وليقترب من منى إن استطاع ويمكنه أن يقضي أكثر من نصف الليل بمنى ثم يرجع إلى حيث يجد مكانًا بمكة، هذا حتى تتسع مزدلفة لنازليها بدلًا من تعطل النّاس عن هذا النسك.

وأمّا أدلة المجيزين لتوسعة المسعى بضابط ما كان بين الجبلين قبل التغييرات، فنحن معهم ونقول بقولهم والواقع يثبت أنّ المسعى الجديد هو داخل ما بين الصفا والمروة، بل والأمر يتسع لأكثر من ذلك.

وفي خاتمة هذا المقال نوجه نصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم وللقائمين على أمر المسعى وشئون المسجد الحرام:

أنّه ينبغي أن يكون المسعى القديم والمسعى الجديد كل منهما ذهابًا وإيابًا حتى لا يتحرج من يرى من العلماء والمشايخ الكرام ـ وهم من كبار أهل العلم ـ بعدم جواز التوسعة فلو أُلزِم النّاس باتجاه المسعى القديم إيابًا من الصفا إلى المروة فقط لوقع الآلاف في الحرج؛ لأنّهم يقلدون مشايخهم القائلين بالمنع، ولو سعوا في الاتجاه المعاكس للنّاس لحصل ضرر عظيم بخلاف ما لو سمح بجعل المسعى القديم اتجاهين، والجديد كذلك، فإنّه وإن وجد الزحام في القديم أكثر من الجديد إلاّ أنّ الحاجة دافعة أكثر النّاس إلى الأخذ بالقول الآخر خاصة أنّ عوام المسلمين يسعهم في ذلك تقليد من يثقون فيه من علماءهم القائلين بالجواز.

وكما وجد من لا يرى جواز السعي في الطابق الثاني والثالث عند بنائهما، ولا يزال السعي في الطابق الأرضي أكثر زحامًا إلاّ أنّ الحاجة دافعة الأكثر إلى السعي في الطوابق العليا، وصار القول بالمنع من ذلك مهجورًا مع مرور الزمن، فكذلك عسى أن يكون الأمر في أمر المسعى الجديد، دون إحراج لأهل العلم ولمن يتبعهم ودون استعمال سلطة ولي الأمر في أمر فيه اختلاف واجتهاد، وليس هو مما قال فيه البعض: “إن حكم الحاكم يرفع الخلاف”، بل هذه القاعدة في غير هذا الموضع، والله أعلم.

وقد تدارست هذا الموضوع مع إخواني الأفاضل: الشيخ د/ محمد إسماعيل المقدم، والشيخ د/ أحمد حطيبة، والشيخ د/ سعيد عبد العظيم ـ حفظهم الله جميعًا ـ، فوجدت كلهم يوافق على السعي في المسعى الجديد، والحمد لله رب العالمين.

وأسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين على الهدى، وأن يرينا مناسكنا، وأن يتوب علينا إنّه هو التواب الرحيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وثقت شهادة الشهود بالمحكمة العامة بمكة المكرمة لدى القاضي الشيخ عبد الله بن ناصر الصبيحي، وصدر بها صك شرعي برقم 158/44/11 تاريخ 25/12/1427هـ جاء فيه:

“في يوم الأحد الموافق 24/ 12/1427هـ، حسب تقويم أم القرى حضر عميد معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج الدكتور أسامة بن فضل البار، وأحضر معه فوزان بن سلطان بن راجح العبدلي الشريف حامل البطاقة رقم 100164066 وهو من مواليد عام 1349هـ، فقرر قائلًا: “إنّني أذكر أنّ جبل المروة يمتد شمالًا متصلًا بجبل قعيقعان، وأمّا من الجهة الشرقية فلا أتذكر، وأمّا موضوع الصفا فإنّني أتوقف”.

كما حضر الدكتور عويد بن عياد بن عايد الكحيلي المطرفي حامل دفتر العائلة رقم 1001787769 وهو من مواليد عام 1353هـ، وقرر قائلًا: “إنّ جبل المروة كان يمتد شرقًا من موقعه الحالي بما لا يقل عن ثمانية وثلاثين مترًا، وأمّا الصفا فإنّه يمتد شرقًا بأكثر من ذلك بكثير”.

كما حضر فضيلة كبير سدنة البيت الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن عبد القادر شيبي حامل البطاقة رقم 1007139940 وهو من مواليد عام 1349هـ، فقرر قائلًا: “إنّ جبل المروة يمتد شرقًا وغربًا وشمالًا ولا أتذكر تحديد ذلك بالمتر، وأمّا الصفا فإنّه يمتد شرقًا بمسافة طويلة حتى يقرب من القشاشية بما لا يزيد عن خمسين مترًا”.

كما حضر حسني بن صالح بن محمد سابق حامل البطاقة رقم 1004080568 وهو من مواليد عام 1357هـ، وقرر قائلًا: “إنّ جبل المروة يمتد غربًا ويمتد شرقًا بما لا يقل عن اثنين وثلاثين مترًا. وكنا نشاهد البيوت على الجبل، ولما أزيلت البيوت ظهر الجبل، وتم تكسيره في المشروع، وأمّا جبل الصفا فإنّه يمتد من جهة الشرق بأكثر من خمسة وثلاثين أو أربعين مترًا”.

كما حضر مدير جامعة الملك عبد العزيز السابق معالي الأستاذ الدكتور محمد بن عمر بن عبد الله زبير حامل البطاقة رقم 1050640554 وهو من مواليد عام 1351هـ، وقرر قائلًا: “إنّ المروة لا علم لي بها، وأمّا الصفا فالذي كنت أشاهده أن الذي يسعى كان ينزل من الصفا، ويدخل في برحة يمينه، وهذه البرحة يعتبرونها من شارع القشاشية، ثم يعود إلى امتداد المسعى بما يدل على أنّ المسعى في تلك الأماكن أوسع”.

كما حضر الدكتور درويش بن صديق بن درويش جستنيه حامل البطاقة رقم 1019559580 وهو من مواليد عام 1357هـ، فقرر قائلًا: “إنّ بيتنا سابقًا كان في الجهة الشرقية من نهاية السعي في المروة، وكان يقع على الصخور المرتفعة التي هي جزء من جبل المروة، وقد أزيل جزء كبير من هذا الجبل بما في ذلك المنطقة التي كان عليها بيتنا، وذلك أثناء التوسعة التي تمت في عام 1375هـ، وهذا يعني امتداد جبل المروة شرقًا في حدود من خمسة وثلاثين إلى أربعين مترًا شرق المسعى الحالي، وأمّا الصفا فإنّها كانت منطقة جبلية امتدادًا متصلًا بجبل أبي قبيس ويعتبر جزءً منه، وكنت أصعد من منطقة السعي في الصفا إلى منطقة أجياد خلف الجبل”.

كما حضر محمد بن حسين بن محمد سعيد جستنيه حامل البطاقة رقم 1001770203 وهو من مواليد عام 1361هـ، وقرر قائلًا: “إنّ جبل المروة كان يمتد من الجهة الشرقية، والظاهر أنّه يمتد إلى المدعى، وأمّا جبل الصفا فإنّه يمتد شرقًا أيضًا أكثر من امتداد جبل المروة”.

فأمرت بتنظيم صك بذلك، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
حرر في 24/12/1427هـ.

أترك تعليقا

هذا الأثر البالغ الذي أحدثه الإسلام على النصرانية لا تزال الكنيسة تنكره

منذ منتصف القرن السابع الميلادي خرج الإسلام ليواجه النصرانية على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، حتى غدى بحيرة إسلامية ثم اتجه الإسلام إلى الأندلس فاستوطنها وأقام مملكته على أرضها قرونًا عدة، دخلها خلالها إلى قلب أوروبا ففتح نابولي وجنوة وجنوب فرنسا حتى وصلوا إلى مدينة ليون وفتح أفنيون والتي كانت مقرا للبابوية لعدة سنين، وظل المسلمون يصولون ويجولون في أوروبا حتى القرن العاشر الميلادي.

ولم يمضى القليل من الوقت حتى جاء الأوروبيين أنفسهم إلى ديار الإسلام من خلال حملاتهم الصليبية لتبدأ مرحلة أخرى من مراحل الاتصال بين الإسلام والنصرانية الغربية.

هذا الاتصال وإن كان عسكريا بالدرجة الأولى إلاّ أنّ الأمر في الحقيقة أعمق من هذا، فمن خلال هذا الاتصال ترك الإسلام بصمة قوية في أوروبا تمثلت في رؤى إصلاحية جديدة على الحياة الغربية في جميع المجالات، ولا نقول جديدا إذا قلنا أنّ الغربيين مدينون للإسلام وأهله بكثير من إنجازاتهم الحضارية التي يفتخرون بها، لكن الجديد الذي يتغاضى الغرب عنه هو أنّ الإسلام كان صاحب فضل كبير في إصلاح النصرانية الغربية وظهور حركات الإصلاح الدينية هناك.

بدأت هذه الفكرة تعمل في خاطري وأنا أقرأ كتاب من أهم كتب التاريخ الكنسي وهو كتاب أندرو ملير (مختصر تاريخ الكنيسة) والكاتب أحد أعمدة حركة الإصلاح البروتستانتي، وكان رئيسا لطائفة نصرانية ثم تركها وانضم إلى حركة الإصلاح البروتستانتية، وكان واعظا ملتهبا فصيح الفم كما تصفه كنيسة الأخوة الإنجيلية، وقد ألف كتابه في القرن الثامن عشر الميلادي.

يقول أندرو ملير في كتابه (مختصر تاريخ الكنيسة ص212): “كان الإمبراطور ليو الثالث ـ القرن السابع الميلادي ـ يمتلك الشجاعة الكافية فأخذ على عاتقه تطهير الكنيسة من أصنامها الممقوتة متحملًا المشقات الكثيرة في سبيل هذا، ويصمت التاريخ عن ذكر البواعث التي حركت الإمبراطور ليو لهذا العمل، ولكنّنا نعتقد أنّ ظهور الإسلام ونجاحه واعتقاده بالتوحيد ٌقد أثر على الإمبراطور تأثيرا كبيرا، فضلا عن ذلك كان الاعتقاد سائدا عند المسيحيين في الشرق أنّ غزوات الإسلام كانت تأديبا من الله على ازدياد الوثنية داخل الكنيسة، وكان المسيحيون كثيرا ما يسمعون تغييرا من المسلمين واليهود بأنّهم يعبدون الأصنام، ونتيجة لهذه الظروف قامت المنازعة العظيمة”.

وفي موضع آخر يصف القس أندرو ملير بحسرة شديدة ما آلت إليه أحوال الكنيسة من تقديس لرفات الأموات وعبادة لهم، ثم يعلق بما يزيد الأمر سوء ويجعله يستلزم تغييرا وإصلاحا، فيقول ص294: “إذا رجعنا إلى الماضي البعيد إلى أيام أوريجن ـ القرن الثالث ـ الذي كان أول من دعا إلى عبادة القديسين، أو رجعنا إلى ضريح ماتن دي تور الذي كان أشهر ضريح في القرنين الرابع والخامس، ثم تقدمنا إلى يومنا الحاضر لوجدنا أنّ العبادة ـ للقديسين ـ تبلغ من العمر ألف وخمسمائة عام في كلتا الكنيستين اللاتينية واليونانية، فلا عجب إن حكم المسلمون بأنّ المسيحين عبدة أوثان”.

وعندما أخذ يذكر طلائع الإصلاح قبل مارتن لوثر، كان أثر الإسلام واضحًا وقويًا ولم يجرأ الرجل على جحده كما تفعل الكنيسة الآن، فيقول في ص 236: “كان البابا سلفستر الثاني الذي جلس على كرسي بطرس الرسول في فجر القرن الحادي عشر وهو حلقة لوصل بين حكمة العرب وجهل الرومان وتسليمهم الأعمى، فقد تعلم في المدارس الإسلامية وفي مدينة قرطبة، حيث استقى علوما نافعة ابتدأ أن يظهرها في روما ويعلمها للنّاس، ولكن بسبب روح الخرافة التي سادت ذلك الوقت نسب النّاس أعماله ومعارفه إلى فنون السحر لأنّ النّاس اعتقدوا أنّ مثل هذه القدرات لا يمكن إلاّ أن تكون نتيجة التحالف مع الشيطان”.

وقد خطى هذا البابا خطوات تجاه الإصلاح نابعة من تأثره بالإسلام وثقافته به.

ولم يكن دور سلفستر الثاني ثانويا في الإصلاح، فهو لا يزال أعظم من تصدى لفساد الكنيسة لاسيما فساد الأساقفة.

يقول الخوري أسعد عيسى في كتابه (الطرف النقية في تاريخ الكنيسة المسيحية) ص209: “إنّ البابا سلفستر الثاني ثار ضد السلطة الكنيسة وهو يعد أعظم من كتب ضد الأساقفة”.

شخص آخر في مقدمة طابور الإصلاح الكنسي وهو توما الإكويني الذي يلقبه الغرب “القديس والمعلم الملائكي” ويصفه أندرو ملير بأنّه أحد طلائع الإصلاح في المسيحية ويقول عنه: “أشهر قادة الفكر في القرن الثالث عشر، وخير مثال للرجل اللاهوت”.

هذا الرجل الذي لا تزال مؤلفاته مرجعا هاما ومميزا في الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانتية يقول عنه جوستاف لوبون في كتابه تاريخ العرب ص 618: “إنّه مدين لابن رشد في كل علمه وإنّه متأثر بالإمام أبي حامد الغزالي”.

ولا عجب فقد كان على صلة قرابة بأسرة الإمبراطور فريديك الذي كان عاشقا للثقافة العربية وقام هو وأسرته بترجمة الكثير من العلوم العربية إلى اللاتينية.

رجل آخر ممن قاموا بأدوار عظيمة في إصلاح النصرانية وهو روجر بايكون، الذي يصفه القس جون لويمر في كتابه (تاريخ الكنيسة) بأنّه لوثر الأول والذي يضعه أندرو ملير في طليعة الإصلاحيين ويصفه بأنّه: “كاتب عبقري شهير ذو فكر ثاقب وبصيرة نافذة وكان له فهم واضح لمجريات الأمور في معاهد العلم وفي الكنيسة”.

لم يكن بايكون ينقل للغرب سوى ما تأثر به من الحضارة الإسلامية، وهو القائل: “إنّ الفلسفة مأخوذة عن العرب، فلا تفهم كما يجب إلاّ إذا عرفت اللغة العربية “.
وكان بايكون يلوم القس توما الأكويني لأنّه تعلم الفلسفة الإسلامية من المترجمات وليس من الأصل”. ألفريد جيوم (تراث الإسلام ص244).

ويقول جريدودي روجرو في كتابه (تاريخ الفلسفة المسيحية ج3 ص7): “إنّ خصائص الحضارة الإسلامية والدين الإسلامي قد تسربت من خلال الفلسفة تقريبا إلى العالم اللاتيني”.

ويقول هنري دي كاستروا في (كتابه الإسلام ص145): “إنّ صلاح الدين كان يذكر في الأناشيد اللاتينية والفرنسية في العصور الوسطى، وظهر في إحدى الروايات يناقش الديانات، وأعظم عيب عاب به المسيحية هو عبادة البابا ومسألة الاعتراف”. وهي أول ما قامت حركة الإصلاح بإلغائه.

هذا الأثر البالغ الذي أحدثه الإسلام على النصرانية لا تزال الكنيسة تنكره وتحاول إخفاءه وطمس معالمه، وليت الأمر ينتهي هنا، بل لقد قامت الكنيسة لترد الفضل إلى الإسلام عبر حرب صليبية شرسة تدور على كل المحاور الفكرية والثقافية والاقتصادية بل والعسكرية أيضا، لكن الحق أكثر إشراقًا من ظلام الباطل مهما استطال. وكما يقول ألفريد جيوم في كتاب (تراث الإسلام): “وسوف نرى حين تخرج إلى النور الكنوز المودعة في دور الكتب الأوروبية، إنّ تأثير العرب الخالد في حضارة العصور الوسطى، كان أجل شأنا وأكثر خطرا مما عرفناه حتى الآن”.


أترك تعليقا

ما تركت خلفي مما نملُك وهكذا تلطمني الأمواج من مكان لآخر ولا ساحل أمان أرسو علي

الموت والعذاب في أحراش بغداد
رسالة من طبيبة مسلمة

عندما يقف الإنسان عاجزاً ليواجه مصيره لحظة بلحظة، وعندما تتجرد الحياة من كل بهجتها لتستحيل حنظلا مُرّاً، و تثقل لحظاتها وتجثم على الكيان بأسره، وعندما يصبح الحاضر لحظات خوف ورهب تحرق الدماء في العروق و يصبح المستقبل ترقب وحيرة على الأهل والأحباب أيهما يخطفه الموت اولاً.

عندما تفقد كل معاني الحياة وتتبلد كل مشاعر الإنسان بداخلك فلا يبقى منها سوى الرعب والقلق والتفجع والحزن القاتل والصبر المرير، عندها فقط توقن أنك في العراق “الديمقراطي”، العراق “الحر” تلك الشعارات التي يثرثر حولها الصليبيون وأحفاد ابن العلقمي من الروافض الصفويين، “العراق” دار السلام كما أسماها أجدادنا، باتت اليوم دار الموت والقتل وغابة الذئاب والأوغاد، ومرتع اللصوص والفجار.

يبحث المرء في تلافيف التاريخ عسى أن يجد مثلاً لهذه المحنة الطاحنة في أرض الرافدين فلا يجد، عقمت أذهان الطغاة والمجرمين من قبل أن تبدع هذا الشر الذي صنعه الصليبيون والروافض في أرض الخلفاء، و لكن خذلان الصديق أشد من غدر العدو.

هذه محنتي لم يواسني فيها مسلم، وكأني لست منهم، اشتدت علي غربتي حين فقدت جميع من حولي، وتهت في غيابها حين فقدت أمتي وحين فقدت إحساسها بي وبمصيبتي وألمي.

*البداية:-

أنا امرأة عراقية في بداية الثلاثينيات من عمري؛ أم وزوجة وابنة وأخت، كان لي نصيب من حياة ناعمة هادئة يملؤها العلم ويصونها الدين، لكنها انتهت بسقوط بغداد في التاسع من نيسان للعام ألفين وثلاثة، يوم أن حلَ مغول العصر في بلد أبي جعفر المنصور مُعيدين أحداث التاريخ من جديد فهاهم أحفاد القتلة يدخلون عاصمة هارون الرشيد يعيثون فيها الفساد ناشرين الموت والقتل مستبيحين كل الحرمات والأعراض.

نهاية حياتي ابتدأت في ذلك اليوم، مع أول خط في لوحة الموت.

وقصة نهايتي واحدة من آلاف القصص التي انتهت بها حياة كثير من العراقيين؛ منهم من وضعها على الورق ظنّاً منه أنه يكتبها للتاريخ. أو صرخة منه ظنها توقظ سبات النائمين، لكنها تاهت في بين صرخات شتى انشق لعويلها كبد السماء و وما أنصتت لها أذن امرئ حُرّ.

والكثير منهم لم يكتبها وربما هؤلاء هم الأسعد حظا، لأنهم ذبحوا بسكين واحدة في مسلخ واحدة، قبل أن يذبحهم برود قومهم.

وأنا الآن أضع بعض حروف قصة نهايتي بين أيديكم لا أكتبها للتاريخ، ولا ارجوا من وراء قصتي انتزاع النخوة في عروق النائمين ولا استجدى بها دموعكم فأنا أعلم أنكم لا تتأثرون بالخطوب وأن سباتكم هذا لا صحوة منه وأعلم أن أمة اقرأ لم تعد تقرأ!! وأعلم أن الأجيال القادمة ستولد ميتة، لأنها من ظهور موتى، وأعلم أن ملياركم هو أصفار كثيرة، لم أكتب للتاريخ ولم أكتب لاستجدي دموعكم؛ فما أكثر النائحات في بلادي، كتبت لعلّي أتنفس على الورق بعد أن افتقدتُ من أتحدث إليهم، وربما كتبت استجابة لرغبة أحد الأصدقاء.

أنا أم لولدين كبيرهم في السابعة من عمره، طبيبة أطفال وزوجة لرجل جمعني به الحب والإخلاص منذ ارتباطنا، وابنة لطبيب جراح وأُخت لأخين وأُختين، لم تكن عائلتي ممن تقلد أي منصب مرموق؛ فقد كان لكل منا عمله الخاص، ولم يكن لأحد منا منصب متقدم في صفوف الحزب الحاكم، “حزب البعث العربي الاشتراكي”، كنَّا -كغالبية أبناء الشعب- أعضاءً بسطاء…

كانت لنا حياةٌ مستقرة هادئة، ما خُيِلَ لنا أو لأي أحد أننا سنكون في يومٍ ما مُستهدفين من قبل أي جهة وما خُيل لنا أن نجد من يحاربنا، كنَّا متعايشين كغالبية العراقيين مع أُناسٍ من مختلف أطياف البلد، لم نفكر يومًا أن هذا مسلم وهذا مسيحي ولا هذا سني وهذا شيعي، هذا عربي وهذا كردي وذاك تركماني، لم نفرق بين هذا وذاك، كان لنا أصحاب من كل طيف من أطياف البلد، ولاؤنا للعراق وعراقتنا في عراقنا، ومهما اختلفت الأطياف كنا نراهم عراقيين، عراقيين فقط دون تمييز.

ومع كوني تألمت حسرة ومت كمداً على أرض الخلافة وقد دنستها جيوش الصليبين وأتباعهم الأذلاء، مع أن هذا لم يكن سوى بداية الطريق.

وما هو إلا قليل حتى ناح الموت فوق بيتنا في الضاحية الهادئة وبدئت رحلتي مع الدموع والدماء بموت شقيقي الأكبر الذي يكبرني بسنوات قليلة كان إنسان معتدل بكل المقاييس، بشوشاً ودوداً، تملئه السماحة والمحبة، غُدِرَ به وهو في طريقه إلى محل عمله كان قتله بمثابة إنذار لنا لم ندرك معناه إلا بعد وقت ليس بقصير..

ما دار في خُلدي أنه قُتِل لأي سبب غير كونه كأي ذو كفاءة في خضم موجة من التصفيات الجسدية للأطباء والعلماء وكل حامل علم في بلادنا؛ بدافع من المستفيدين..

فقدت أمي يومها الوعي من هول الخبر وأخي الأصغر كاد يجن وظل يردد (لا مو صحيح أكيد غير واحد) لم أكن بينهم تلك اللحظات فقد وصلني الخبر عبر الهاتف وأنا في بيتي، أختي من اتصلت بي بعد أن عَلِمَت الخبر، وصلتُ إليهم فلم أجد من يبكي غير أختي الكبيرة كانوا في حالة من الذهول واللاوعي والحيرة.

استأصل الموت أكبادهم وذهب الخبر بعقولهم، وراح الرعب يهز أوصال الجميع..

كان لابد من أن يذهب أحد منا يومها لمعهد الطب العدلي للتعرف عليه وخشينا على والدي من الخروج حينها؛ فكان الرأي أن أذهب أنا مع أحد قريباتي للتعرف على الجثة، والتأكد منها واستلامها كان أول يوم في حياتي أتوشح بالسواد كثوب حزن ولم أكن أعلم أنه سيجر عليّ المصيبة تلو الأُخرى.. وكلما تذكرت تلك اللحظة الآن ، أتعجب من حكمة الله ورحمته، فوالله لو كشف لي الغيب وعملت ما يخبأ لنا لمت يومها رعبا وحزنا وهلعاً.

جلسنا ننتظر عرض صور الجثث لذلك الشهر والتي تعرض كلها يوميًا مرتين صباحًا وظهرًا، والمئات من الناس جالسين للتعرف على ذويهم المفقودين، هذه تحكي رواية خروج زوجها الذي لم يعد للبيت وتلك تولول قبل أن ترى صورة من يعنيها هذا يدعو وهذا يهذي من الغضب وهذه تلطم صدرها وذاك يتوعد، ناس كثيرة جمعهم هدف واحد لتجمُعّهم هذا هو التعرف على ذويهم القتلى.

رحت انظر مذهولة يالله كل هذه البيوت خربت، كل هذه البيوت ذاقت ألم الموت وعذاب الفراق وقسوة الصدمة، تحسست مكاني هل أنا هنا بينهم بالفعل؟!، وأنا الطبيبة ابنة الطبيب لكني لم أرى الموت من قبل بهذه الوحشية، كدت أشك في نفسي ، أتحسس جسدي نعم أنا هنا، في هذه الفاجعة الكبرى لأستلم جثة أخي الكبير.

رحت أتذكر هذا البريء الطاهر ماذا جنى لترتوي الأرض من دمائه الطاهرة، غدراً وخسة وهو الذي ما عرف يوما سوى النبل والوفاء أفيق على صراخ المكلومين، يضيق صدري وتخنقي دموعي، يضيق بي المكان حتى تتداخل ضلوعي، أهُمُّ للوقوف كي أغادر لكني سرعان ما أتذكر ذلك الجسد المسجي والذي ما عدت املك له سوى إكرامه بالدفن، أتذكر رثاء الخنساء لأخيها:

ولولا كثرة الباكين حولي ** على إخوانهم لقتلت نفسي
ولا يبكون مثل أخي ولكن ** اعزي النفس عنهم بالتأسي

طال الانتظار والموظف المسئول عن عرض الصور لم يحضر، تداهمني الخواطر السيئة ماذا لو أغمي عليّ في هذا المكان؟! ماذا لو سقطت من سيحملني حينها؟! فأنظر إلى من حولي فيشرد ذهني لأتذكر آخر أيام أخي فأتساءل تُرى ماذا نطقت لحظة موتك؟! أقلت آه يا أبتي أم قلت آآآآخ؟ ترى هل ضربوك من الأمام أم من الخلف؟! ترى ماذا جال في خاطرك آخر اللحظات؟ ترى هل جسدك كما هوَ أم آذوك بعد قتلك؟!

مادت بي الأرض وما وجدت نفسي إلا استند على من حولي.. وإذا بالموظف يقول ترتبوا والصورة تُعرَض مرة واحدة والجثة تُسلم بإبراز هوية الأحوال المدنية اللي تثبت فيها إنك أب أو أخ أو أم أو أخت أو ابن أو ابنة للمتوفى فقط.

مرت اللحظات كالدهر وبين خوف من رؤية الحقيقة وترقب للحظة تكريم لهذا الأخ الكريم وبين الأشلاء والدماء وأساليب التنكيل الوحشية الهمجية التي تمتلئ بها الصور رأيت صورة أخي؛ لم يطاوعني لساني أن انطق، يد قاسية تطبق على صدري، تعتصر ما تبقى في قلب من قطرات الحياة، لكني سرعان ما انتزعت الكلمات من حلقي، فقلت لقريبتي هذا فلان أخي فبدأت هي بالبكاء وكانت قد ميزته؛ فكانت ملامحه الودودة لا زالت واضحة جدًا، لم يكن من المنطق البكاء لحظتها؛ فقد كانت مهمتنا استلام الجثة والخروج من هذا المكان بأسرع وقت؛ فقلت للموظف هذه الصورة أعطيني رقمها فأعطاني رقمها فتوجهنا لغرفة الثلاجة حيث تُحفَظ الجثث، فقال لي الموظف المسئول (لازم يكون معاكم رجل) فأخبرته أني طبيبة ويمكنني الدخول فسمح لي فدخلت لأرى أخي من بين الجثث
كنت أدوس على الموت المنشر في ربوع بلادي كل الموت يجتمع ليبيت هنا، يحترق قلبي شوقا لرؤيته، لكنها رؤية مريرة إنها رؤية الوداع أخذت يده حينها، وتلمست قدماه كانت باردة، قرأت عليه أوائل سورة الرحمن وآيات أخرى لا أتذكر ما كانت.. قرأتها دون تركيز، لكن رأيت أن اقرأ له من القرآن شيئًا تلك اللحظة، ربما لم يكن بقصد الترحم عليه بقدر ما كانت بقصد الترحم عليِ أنا ومحاولة أخيرة للتماسك قبل الانهيار، أول مرة أقف عند ميت يعنيني، قبلّته ورتبت ما كان عليه من الملابس وطلبت من الموظف أن يكمل لي ورق استلامه، بينما أخرج لأستأجر سيارة لنقله إلى بيتنا فساعدني بعض عمال النظافة وحملوه إلى السيارة وتوجهنا إلي البيت فوجدت أبي وزوجي وأخي الصغير وبعض الأصدقاء والمعارف قد جاءوا واقفين في الباب ليأخذوا الجثة إلي مسجد قريب لتغسيلها بينما والدتي وأخواتي في الداخل فتلقوني بالأسئلة كان يجب أن أجيب على كل أسئلتهم أين ضُرِب هل وجهه مُشَوَه هل عيونه مفتوحة أم مغلقة هل ثيابه ممزقة وهل عُذِب أم لا؟ وكثير من أسئلتهم المتشابهة.. هكذا مات شقيقي الأكبر وما هي إلا أيام قلائل حتى قرر والدي ترك البيت ليعيش والِدَايّ وشقيقي الأصغر الذي لا يزال في الجامعة حينها في بيت آخر في منطقة أخرى من بغداد ونحن بدورنا انتقلنا إلى سكن آخر بالقرب من بيت أهلي.

عادت لنا بعض الحياة واحتسبنا الله في مصيبتنا ووالدي بين الصحة والمرض ودام الحال لا جديد فيه أكثر من عام ونصف العام تغيرت فيها حياتنا، انقطعنا فيها عن مواصلة الكثيرين من الأهل والأصحاب وما بقينا على اتصال إلا بالقليل منهم فغالبهم منشغلين بالترتيب للهجرة ومنهم من هاجر دون أن يترك حتى خبر عنه ومنهم من انشغل هو الآخر بمصيبة ما وما أكثرها في أرض الرافدين.. قاتل الله الحقد الأسود الذي ابتلع الأبناء وشتت العوائل ومزقنا فكان الكل يفتقد الكل والكل منشغل بما ألمَّ به والرعب دب في كل النفوس، حتى صارت حياتنا مسلسل من الخوف والألم والمصائب.

رغم كل الحزن لكنا عاودنا حياتنا الطبيعية محاولين جهدنا الابتعاد عن الكثير من الناس فَضلّتُ أن آخذ أجازة بدون راتب لحين استقرار الوضع وبالفعل حصلت عليها، وحاولت أن أُعيد الهدوء إلى بيتي وأولادي وأن أستعيد السعادة ولو داخل البيت كنت وزوجي نقضي أوقات نروي لأولادنا القصص، ونعدهم بأننا يومًا سنعود لبيتنا الأول وعدناهم بالكثير وعدناهم بما هو خارج عن مقدورنا وعدناهم بما ليس بأيدينا، حاولنا رسم الحياة الحالية لهم كأنه خطأ وسنصلحه قريبًا جدًا، وعدناهم بتغيير كبير ولم نحسب حساب أننا في صباح يوم من تلك الأيام سنصحو؛ لنجد أن رجاءنا لن يكتمل وأن أحلامنا بحياة هادئة لن تتحقق والسعادة التي نسعى لها تصطدم بصخرة الواقع الأسود الذي لم يرحمنا، صحونا لنجد رسالة تخويف لزوجي لم يكن فيها طلب بالرحيل، كما وصل للكثيرين فنحن حينها كنا نسكن في بيت وسط مدينة غالبيتها من أهل السنة الطائفة التي ننتمي إليها إن لم يكن كلها، لم نهمل الرسالة فكان الرأي أن يترك زوجي بغداد إلى إحدى المحافظات الشمالية وبالفعل كان ذلك وكان يزورني وأولادي بين الحين والآخر كان ذلك أول فراق بيننا، وما كنت أتخيل يومها أنه بداية لفراق أكبر!! .. هكذا دام حال اللا استقرار.

وتحولت حياتي وأولادي إلى أيام انتظار كنت فيها الأب والأم لهم، كان هو الغائب الحاضر رائحته تسري في دمي وصورته أمام عيني ووعوده لي بأنه لن يتركني باتت أملي الوحيد.

رحت اُمني أولادي بالوعود والأماني الحسنة، كنت أعدهم واعدهم حتى يخنقني البكاء، فأنسل من بينهم وأبكي شوقي وحنيني إلى زوجي، وعندما انفرد بنفسي أتذكر ضعفي وأنا امرأة وحيدة ضعيفة وسط أتون الحرب الملتهب، رباه كيف أواجه هذا الإعصار الهائج من الغدر والحقد، ماذا أفعل إذا دهمنا الأوغاد، رباه لا عاصم اليوم إلا من رحمت.

كنت أتحين تلك الساعات القليلة التي يزورنا فيها زوجي، لأقنص من وجوده الأمان، لأشعر بظلاله تحوطني وأبنائي، لأدفن رأسي في صدره الحنون.

التمس كفه ليشد عزمي ويمد صبري، كانت لحظات وجوده هي لحظات الحياة الوحيدة التي أنسى فيها القلق والخوف، كنت أنام بين يديه ملء عيني، لأني في غيابه لا اعرف النوم رعبا وفزعاً..

ثم اضطربت الأوضاع وأصبحت شوارع بغداد مليئة بشتى الميليشيات، الكل ينتابه الخوف بسبب فرق الموت الطائفية والتطهير العرقي وأصبح زوجي لا يواصلنا إلا عن طريق الهاتف بين الحين والأخر وهو في كل هذا يرتب ما يُمَكِنّهُ من السفر.

حتى تلك الساعات القليلة التي كنت أحياها مع زوجي ضن بها الأوغاد عليٌ صرت وحيدة، كزهرة في مهب إعصار أسود، انتظر الموت في كل ساعة، لكني قلب ينفطر رعباً كلما تخيلت الموت ينتزع مني زوجي.

أصبحت أخشى حتى صوت الرصاص الذي لم يعد عراقي يخشاه كل ما سمعت صوت رصاص عن قرب افزع خوفا متخيلة أنها قد تكون فيه وهو عائد إلينا فأهرب إلي الداخل وارفع صوت التلفاز عاليا حتى لا اسمع طرق الباب لو جاءوا يبلغوني أنه مات..

كنت كثيراً ما أغلق هاتفي حتى لا أتلقى خبر موته.. أرهن ساعات نهاري أدعو له وفي ليلي أبكي عليه كنت أردد لنفسي أنه لن يستجيب للرصاص، كنت أقول لن يموت…، وفي إحدى تلك الليالي المشئومة الظالِمة دهمتنا قوات عراقية لتفتيش البيت كجزء من خطة أمنية في المنطقة حينها، أيقنت أن الأسوأ قادم الآن، وتمنيت أن يكون الموت، فأنا امرأة شابة في بيتي بمفردي وهؤلاء كلاب لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة، كدت انهار تذكرت رحمة الله وغيرته على عباده.

ظللت الهج بالذكر بيني وبين نفسي وأنا أتمنى الموت لا غير، فتشوا البيت لم تنج منهم حتى أغراض المطبخ حتى كيس الأرز فتشوه وبحركات استفزازية مستهترة، كاد الرعب لحظتها أن يشل أطرافي مع كل حركة أو خطوة أقول ها هي الآن اللحظة السوداء، يا الله أمتك تلوذ بك وهي بين الذئاب، ليس لي رب سواك، ألوذ بحماك..

كنت أفكر في أولادي هل سيشاهدون أمهم فريسة بين أنياب الذئاب، ماذا سيفعلون بهم ما مصيرهم.. كل الإجابات سوداء وكل الاحتمالات ظالمة.. الهج بالذكر والدعاء.. أقاوم دمعي حتى لا يراني الأوغاد ضعيفة فيطمعون فيَ.. ثم تنهمر رحمة الله فينصرفون وقد حطموا البيت لكنَ الله أنجاني
والله لولا حفظ الله لي لفعلوا بي ما يحلوا لهم، فقررت يومها أن أبيت الليل عند بيت أهلي فأخذت أولادي وذهبنا لهم، كانت الأيام هناك كلها متشابهة لا شيء سوى الانتظار وأكل ما يبقينا أحياء والنوم ساعات من النهار كي نستطيع البقاء مستيقظين في الليل تحسُباً لأي تفتيش أو مداهمة ليلية.

كنت أرتب لرؤية زوجي لكنه كان يرفض أن أسافر إليه ويصبِرّني ومرت الشهور دون أن أراه وأولادي لا يكفون السؤال عنه وفي يوم من تلك الأيام الموحشة جلسنا للغداء ولم نكن معتادين انتظار أخي الأصغر لحين عودته من الجامعة فقد اعتاد أن يأكل لوحده متأخرا عنا، الوقت تأخر وأخي لم يعد، أخذنا نرن على هاتفه وفي كل مرة نجده مغلق ونبرر لأنفسنا أن الطرق قد تكون مسدودة كما يحدث كثيرا بفعل حواجز كونكريتية التي تُوضَع دون مُقدِمات لتسد الشوارع وشبكة الاتصال متقطعة كعادتها وأبى وأمي يقفون عند باب الدار يرقبون رؤيته، ظللت أرن على هاتفه وأنا يدور في خُلدي تساؤل هل أخي تناول فطوره أم خرج بدون فطور؟

وفجأة استطعت أن أتصل ويُفتَح الخط فإذا بشخص أخر غير أخي يجيب فاستفسرت من المتكلم وقبل أن أسمع الجواب أعطيت الهاتف لأمي لتعرف أن أخي مُختَطف ويطالبون بفدية بمبلغ مالي كبير وكغيرنا دون ضمانات هيئنا المبلغ بعد سماع صوت أخي وما كان لدينا وقت لنتصل بأحد ممن نثق بهم كي يرافق والدي كما أننا خفنا أن يؤذوه لو فعلنا ذلك ،ذهب والدي بالمبلغ كما أرادوا، لكنه عاد خاوي اليدين وقال أنهم أعطوه موعدا آخر لاستلام أخي، وعادت ظلال الحزن تزرع أحشائنا من جديد، وعادت تتمزق الأكباد وانفتحت كل جراحات الزمن، ومن موعد لموعد مرت ثلاثة أسابيع تركت كل لحظة فيها ندبة في القلب ودمعة ساخنة على الخد، ذهب أبى ليستلم أخي من أحفاد ابن العلقمي وما استلم منهم إلا جثته بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من استلامهم الفدية.. سلخوا عضلة صدره عن أضلاعه لم يكن قتلا تقليديا، طريقة قتله كانت توحي بهدف لم تكن الفدية هدفهم وإلا ما كان هناك مبرر لسلخ صدره بهذا الشكل لم اعلم لهم هدف حتى هذه اللحظة هو انتقام لكن لماذا؟،
شُلت يدٍ مزقتك يا أخي، زلزل الله الأرض تحت أقدامهم، قطعّ الله أوصالهم، جالت هذه الدعوات في قلبي رغم علمي بأن زمن المعجزات قد انتهى مع أخر نبي من الأنبياء..

ها هو العراق قسى عليَّ للمرة الثانية ويقف ضدي ليكسر قلبي الضعيف مرتين في المصيبة نفسها
لماذا يعاند امرأة ضعيفة مثلي؟!!.. ها هو أقرب إخوتي إليّ يرحل عنا ليترك ذكرياتنا الجميلة التي لن يستطيع الزمن أن يمحوها من مخيلتي..

كان ذاك اليوم الحزين هو الضربة القاضية لوالدي فلم يطل به البقاء فهاجر بعد أسبوع ليترك الهم والحزن لي، لم يحتمل أن يفرغ بيته فجأة بعد إن كان أبناؤه يملئونه بمرحهم وضحكهم وأحلامهم أصبح البيت موحشاً فهاجر بغداد ليعيش وأمي في بلد مجاور وحيدين ورحلت أختاي مع أزواجهم وأولادهم لبلد آخر وبقيت أنا وأولادي في بغداد ننتظر غائبنا كي يعود.

الآن أذوق مرارة الوحدة كما لم أعرفها من قبل، الآن أتجرع كأس الوحشة كما لم أتجرعه من قبل، كنت افتقد زوجي وقرة عيني لكني كنت التمس العزاء في أخي أحاول التظلل بحماه، كنت ارتمي في حضن أبي وابكي أمرغ وجهي في صدره الرحب، أحاكي أمي أسرق ابتسامة من شفاه أختي، لكنهم جميعا رحلوا.. وخلفت وحدي انتظر غائبي الحبيب.. بمفردي تماما في وجهة العاصفة العاتية والحقد الأزرق المجنون.

ما عادت بغداد هي بغداد، تنكرت لي حتى أرضها وسمائها.

أذوب شوقا إلى زوجي ينتشلني من هذا المحيط المظلم، هو وحده الآن عنوان الحياة، رحمة الله ساقت إليَ خالة كانت تعيش مع والدتي في بيت أهلي سنوات طويلة جدا منذ صغر سني أتت لتعيش معنا وآثرت البقاء برفقتي أنا وأولادي وفاءاً منها فعملت على راحتنا دون كلل ولا ملل.هكذا كانت تمر الأيام ننتظر غائبنا الذي فاجأنا بيوم من تلك الأيام ليقر أعيننا برؤيته مرة أخرى بعد غياب طال..

كانت لحظات رؤيته لا توصف اختلج الفرح قلبي فضحك، أثلجت رؤيته صدري، انهمر الدمع من عيني ارتميت في أحضانه ورحت أبكي وأغسل بدمعي كل أحزاني ومخاوفي وهمومي، بقى معنا أيام كانت كلمح البصر ما تركت شيئا ينغص علينا ساعاتنا رغم ما كانت تحدثني به نفسي وكأني أعلم أن بعد هذه البشرى فراق آخر فوجدته يفجعني بأن اسمه في لائحة المطلوبين لجهة معينة من ضمن الأسماء المدونة للمطلوبين لتيار من التيارات التي كانت ولا تزال على الساحة، ولكن لماذا؟ ومن سيجيب على هذا التساؤل؟ ممن أستوضح الأمر؟

تعقدت الأمور واستصعب أمر أن نغادر البلد ونجتاز الحدود. أحيانا أجيب نفسي وأقول قد يكون للموضوع صلة بشكل أو بآخر لأن زوجي كان بالإضافة لكونه طبيب كان عضو في اللجنة الأولمبية للرياضة لفترة أيام النظام السابق؟ وإن يكُن.. هل هذا سبب لتصفيته؟ تساؤلات لا أحد يمكن أن أستفسر منه عليها.

أصبحنا ننتظر مجهول وهاهي أمواج الحياة تقذفني إلى حيث لا أدري إلى دوامة الحيرة تمنيت لو أنني أنتمي لبلد آخر وددت لو أتخذ لي بلد آخر وأسميه وطني كرهت بلادي فقد خانت أمانتي.

خانت بغداد أمانتي ولم تحفظ لي أخ ولا حبيب، خانتني وما خُنتها يوما. أين أهلي وأين حبيبي وأين إخوتي؟ أين الضحكة؟ أين عملي وأين أصحابي وأين أمسياتهم؟ أين حدائق بغداد أين أنهارها؟، ما فيها سوى الموت المهين الرخيص، ويهزني ألمي فاصرخ، أين أمتي؟!! أين مليار المسلمين من كل هذا؟ أين خير أمة أخرجت للناس؟ أين أمة مُحمّد صلى الله عليه وسلم مما يحدث لنا ألا يروون ما يفعله المغول وأحفاد ابن العلقمي؟ ألا يرون إخوة لهم يُقتّلون ويُذبّحون ؟ ألا يخشون يوماً تكون الدائرة عليهم؟ حسبنا الله ونعم الوكيل.

ألا يبكي مسلم واحد لبكائي ألا تتألم مسلمة واحدة لألمي….

أصبحت وحيدة ولكن الآن بلا أمل ولا أعيش إلا ببقايا من اليقين برحمة الله في صدري، لا أجد السلوى سوى مع بعض الذكريات التي تهمني كثيراً كثيراً، وصور هي كل ما بقي لي من أحبتي، أحِن إلى كل شيء جمعني بهم أحِن إلى الأكل معهم أحِن إلى الضحك معهم والسهر برفقتهم أحِن لكل شيء جمعني بهم، عزائي في غيابهم كان ولا زال صورهم.. ماذا أنسى كي أنسى؟ ذكريات لا يمحوها الزمان فلأجلهم عشقت الحياة.. والآن بعد فراقهم أصبح ملاذي الوحيد هو وسادتي كي أبكي تحتها بعيدا عن عيون أولادي.

أسمع صوته بين الحين والأخر بالهاتف وفي كل مرة يحاول إقناعي أن أسافر أنا وأولادنا خارج البلد حتى اقتنعت خوفا على أولادي في هذه الظروف التي صَعُبَت يوما بعد يوم كان يجب أن أراه قبل السفر لكن خشيت عليه بقيت انتظر أن يتمكن من الانتقال إلى مكان أكثر أمنا بالنسبة له مكان يسعني السفر إليه كي أراه ولكن الخوف والحذر منعونا ومرت شهور بعدها لم يتصل فيها ولا مرة، أحسست أني فقدت حياتي، لم استطع الصبر كنت أبيت ودمعي يحرق وسادتي، اشتاق إلى كفه الحنون يربط على كتفي يزرع الصبر في قلبي، يمسح دموعي الحارة، أفتقده وأحن إليه فأختبئ عن عيوني أولادي وأبكي…

وعزمت على السفر بعد أن يئست أن أراه وبعد أن اطمأننت عليه باتصال من صديقه، قال لي هو بخير لكنه في منطقة لا توجد فيها تغطية للهاتف المحمول، كلفته أن يبلغه أننا سنسافر إلى مصر وهو يعرف عنواننا هناك فقد كنا نمتلك بيت في مصر سبق وأن اشتريناه عن طريق بعض الأصدقاء تحسبا لأي سفر طارئ بعد اضطراب الوضع في البلد. كان اختيارنا مصر بتشجيع من بعض الأصدقاء لكن فوجئنا أنه قد صدر قرار جمهوري يمنع دخول أي عراقي إلى الأراضي المصرية، يالله أهذا ما أنتظره من أمتي، أهذه مواساة المسلمين لي، مصر التي عاش بيننا أبنائها حتى كانوا أكثر حظا منا فيها.

انتظرت أرتب دخولي بمساعدة بعض الإخوة وما هي إلا أيام في هذه الأثناء حتى وجدت والدتي أمامنا في بغداد، فتحت الباب لأراها تلبس السواد فقلت لها لا تقولي أبي مات فأخذتني بحضنها لأسمعها تقول إن زوجي هو من مات!

لم أعي ما تقول، بل لم أستطيع أن أعي… أخرج من عالمي.. أفقد وعي.. أغرق في الفراغ.. أغرق حتى قمتي في التيه.. تضيع كل المعالم في رأسي.. لا أدرى أفي حضن أمي أنا مرتمية أم في مطحنة بشرية تطحن كل ذرة في كياني… أحاول أن أمسك بروحي المنفلتة عنى.. هل قالت أمي أنه رحل؟ لقد كان هو الملجأ والملاذ في دنيتي القاسية فهل رحل.. هل تركها وحدها تخوض لجة العذاب؟ كيف رحل وهو يعلم أني لا أستطيع الحياة بدونه؟ هو يعلم أني لا أقوى على المسير بغيره فكيف رحل!!..

لا أشعر بنفسي وأنهار.. انهار كمن وقعت عليه السماء ولفظته الأرض..

أقدار غريبة أنا انتظره كي يأتي من هو خارج البلد ليخبرني بموته؟،كيف يحدث هذا؟

عرِف صديقه بوفاته وما رغب أن يبلغني فاتصل بأهلي وأخبرهم بموته وأنه قد تعرف على صورته في معهد الطب العدلي، وأنه دُفِن في مقبرة جماعية كعادتهم في حال لم يتوجه قريب للمتوفى من الدرجة الأولى ليستلمه خلال فترة محدودة، وأتت أمي تنقل لي الخبر.. كُنا جميعنا مستهدفين ولم نكن نعلم ولا نعلم لهذا مبرر حتى هذه اللحظة.

لقد مات وماتت روحي معه.. مات وماتت معه كل آمالي مات بعد كل هذا الانتظار والصبر مات قبل أن نفي وعودنا لأولادنا، مات بعد كل ما كان بيننا، مات بعد أن وعدني أن لا يطول غيابه، مات وماتت ضحكاته، مات شريك حياتي ورفيق روحي، مات دون أن أودعه، مات قبل أن يعلمني أعيش بدونه، مات ولم يترك لي قبر له كي أزوره، مات قمر سمائي وماتت معه بغداد في عيني..

دنيا العجب أخذت مني حروف حياتي، سحقت مسراتي دون رفق، أخذت مني أعز ناسي، أخذت عزوتي وكسرت ظهري، ما رحمتني وأنا الضعيفة، سلبتني كل ما لي دون شفقة وأنا الضعيفة….

كرهت كل من على الأرض وكرهت بغداد فقررت هجرها وما هي إلا يومين حتى تركتها وذهبت وأولادي لنعيش في بلد مجاور بالقرب من إخواني..

حرصت على دموع أولادي فلم أتمنى الموت عشت لأجلهم لم أرغب بالموت من أجلهم، عشنا هناك كما يعيش باقي الملايين من العراقيين الذين لاذوا بالفرار خارج بلادهم عايدين شباك اسمه شباك الإقامة، معظمهم يجد نفسه يعيش بشكل غير قانوني والناس تكابد وتعاني للحصول على سكن، تعاني لتحصل على الرعاية الصحية تعاني لتُعَّلِم أبناءها.

رأيت معاملة العرب للعراقي كيف كانت، ألم تنعم يا عربي في بغداد وتأخذ حقوقك كما لو كنت كواحد منا؟ نسي العرب أنه كانت لهم مقاعد دراسية مخصصة للشباب العربي دون منافس من العراقي في جامعاتنا؟ نسيتم عيشكم في العراق؟ نسيتم وتناسيتم لكننا لم ننس والأيام دُوَل، لماذا هذه المعاملة الحقيرة؟ وكأن العراقي آتاهم في فسحة ونزهة وليس هارباً من الموت، تركنا ذلك البلد لبلد أخر وما طال بيّ العيش حتى عدت إلى بلدي مرة أخري كي أُؤمن.

ما تركت خلفي مما نملُك وهكذا تلطمني الأمواج من مكان لآخر ولا ساحل أمان أرسو عليه. وسط كل هذا كان من الأصدقاء من يسأل عني ويتفقدني ويصبرني ويأخذ بيدي، وما هي إلا شهور بعد عودتي حتى أتت والدتي مرة أخري بعد أن توفى والدي الذي ثقل عليه المرض وها نحن من بلد لآخر ومن قهرٍ لقهر ولا تلوح لي نهاية لرحلة النهاية.

أترك تعليقا

أقول: يظهر أن لسعة الشيخ سعد البريك كوت جنوب القوم.. انظر إلى هذا الاستخفاف.. بل الخفة في الحقيقة.

ثقافة الاجترار (1)

وبعدُ:
الأستاذ المفكر العظيم محمد بن علي المحمود كتب مقالاً يأتي ضمن سلسلة من مقالات الاعتراف التي بدأ يستعلن بها ويجاهر بعض أفراد القطيع الذي استهوته الشياطين فصدته بالدنيا وبهرجتها عن الدين. وهذا القطيع- كسائر الكائنات- له خصائص أو قل سلوكيات أو قل طبائع طُبع بها: وأحد أهم علاماته طمس البصيرة الذي بُلي به جزاء وفاقاً على انحراف عن الحق إلى الباطل كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ{175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} [الأعراف 175: 176]..

ومن آخر مفردة من هذه الآية أدلف إلى موضوعي هذا لأقول:
إنني وغيري من الزملاء الأعزاء حين نكتب أو نعلق على ما يتقيؤه هذا الغثيث وأشباهه لا نكتبه نتطلب هداية الله أن تنزل عليهم- وإن كان ذلك هدفاً نبيلاً- ولكني أرى أنه وفي ظل وجود منهج جديد في لباسه ومنطلقاته قديم في مضمونه وأصحابه يسمح لمثل هذه الكائنات بالحياة والتنفس بين الأصحاء تذرعاً بما يُسمى الحوار و (عدم الخوف من النقد) وتقبل التنكيت على التدين في جوهره ومظهره- أقول: أخشى أنه بمرور الزمن وغياب الاهتمام بهذه البكتيريا الخضراء الطافية على السطح أن تتحول إلى مصدر استنارة واستلهام كما تحول بعض العفونات في عصرنا هذا إلى مصدر للطاقة والصحة في علم الطب البديل وأشباهه.

إنني وعامة المسلمين ندرك بجلاء بحمدالله أن هؤلاء الليبراليين أو التنويريين كأمثال هذا الرجل الفحل الملهم محمد المحمود هم من أتفه الناس منطقاً وأكثرهم سطحية وغباء وأسفههم أحلاماً وأسخفهم طرحاً وتناولاً وآخراً: كذبهم حديثاً..

المقال الذي نشرته له- كالعادة- الرياض يناقش فكرة أصبحت مثل الوسواس القهري عند قطيع المستغربين: لماذا نفشل جماهيرياً مقابل نجاح الخطاب السلفي؟؟

أرأيت سؤالاً غبياً كهذا؟ ماذا لو قال شخص مثلاً: غريب.. لماذا تفوقت أمريكا في علوم الفضاء في حين لم تطلق الدول العربية أي مكوك فضائي..؟

والحقيقة أني لما تأملت وجدت أن الأمر لا ينطوي على الغباء بمثل ما هو نوع من النرجسية التي استولت على عقول هؤلاء الناس وأقسم بالله لست حانثاً أن عامتهم مرضى نفسيون يستطيع أي محلل نفسي أن يصنف طبيعة المرض من مقال أو اثنين غير أن النرجسية عامل مشترك بينهم:

وحقيقة سؤالهم: لماذا مع كل ما متعنا الله به من العلم والثقافة والذكاء والاستنارة والفكر لا يتبعنا إلى ثلة قليلة من النخب المثقفة؟
بينما خطيب متوسط المستوى ربما يجيش مئات الآلاف لخطاب ديني بسيط؟

يقول المفكر العظيم المحمود: (مضى ما يناهز القرنين من الزمان على بداية الحركة التنويرية في العالم العربي؛ منذ بدأ رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي رحلة التنوير الذي كان يخضع- تبعاً لظروف المرحلة، ومكونات الفاعل التنويري- للمنحى الإصلاحي، بدل المنحى العقلاني الخالص. ورغم كل هذه السنوات، ورغم تعدد وتنوع التيارات التنويرية، إلا أن هناك حقيقة مؤلمة، لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، وهي أن التنوير لم يحظ بالاستجابة الجماهيرية التي ترجح كفته على تيارات التقليدي).

أقول: حقيقة مؤلمة لا يستطيع تجاهلها ولا إنكارها، لكنه سيحاول تحليل أسبابها بمنطق أعوج سيذكره بعد قليل، ويلفت نظري هنا اعترافه أن الخط الظلامي (الذي يسميه تنويرياً) فشل رغم تنوعه وثرائه وتغييره الألبسة مرة بعد مرة: فبعد العقلانية الخالصة التي تنكرت لحقائق الغيب ونزعت إلى المادية جاء التنوير في الذي خضع كما يقول الكذاب لظروف المرحلة يريد أن يبرر ما يعرفه الجميع من ارتباط هؤلاء المستنيرين بالغرب عمالة سواء كانت عمالة تطوعية انبهارية أو عمالة مادية نفعية بحتة.

يقول المفكر الأممي الملهم: (طبيعي أن تبقى الجماهير الأمية وشبه الأمية في صف التقليد، وضد التنوير في بداية التعرف على التنوير. لكن، أن يكون هذا الانحياز الجماهيري هو الغالب على روح الأمة في بعديها: العربي والإسلامي، فهذا يدل على أن هناك تصورات راسخة ضد التنوير وأعلامه، جعلت منه خصماً للجماهير في كثير من الأحيان، أو موضع إهمالها في بعض الأحيان).

أقول أنا العبد الفقير: هكذا يلمز الجماهير بالأمية، وهكذا ديدن هؤلاء الحمقى، فكل من لا يتبع هراءهم ودجلهم فهو أمي مقلد: أما من يتبعهم فهم النخبة وهم القادة وهم المفكرون المستنيرون.. ألا ما أشبه الليلة بالبارحة..

وقد كرر هذا حين قال في آخر مقالته: (عبر هذه الرحلة الطويلة من المواجهة، كان الجهل الذي اتسمت به شرائح عريضة من الجماهير، يخدم سدنة الخطاب التقليدي. الأمية القرائية، والأمية الثقافية- وهي الأخطر في هذا الجدل الفكري- كانت ظروفاً اجتماعية، تساعد على رواج التقليد من جهة، وعلى الجهل بالتنوير- والجهل داعية ارتياب- من جهة أخرى. لقد لوحظ أن التنوير يتقهقر في الوقت الذي يتردى فيه التعليم، وتتراجع فيه الثقافة؛ كخطاب في التنوع والمعاصرة) وهذا خداع النفس حين تتهرب من الحقيقة.

ثم انظر إلى الاكتشاف العظيم الذي توصل إليه إذ يقول: (هناك تصورات راسخة ضد التنوير وأعلامه) ما شاء الله، الآن حصحص الحق: نعم هناك شيء راسخ في الأمة ضد الظلامية التي تسميها تنويراً: لكنه ليس تصورات كما تقول وتدعي وتزعم: إنما الذي رسخ في قلوب الأمة (الجماهير) ضد التنوير المزعوم هو الإيمان والدين والفطرة الكاشفة التي تدل صاحبها على زيف دعاوى المستنيرين، خصوصاً تلك التي هي من مخرجات أردأ وأحط آليات إنتاج المستنيرين المعاصرين، كتلك التي خرجت لنا منها نسخة (المحمود) وأمثاله، لأنها نسخ مقلدة مهترئة تحمل عوامل فسادها وعفونتها في أجوافها..
فتاريخ صلاحيتها متقدم أصلاً على تاريخ إنتاجها!

قال العلامة الجهبذ خاتمة المستنيرين (قولوا آمين): (لا شك أن الوعي السلفي، سواء في منحاه الديني، أو في منحاه الاجتماعي- وبينهما علاقة جدلية؛ لا تجعل من الديني بالضرورة هو الأصل- هو المسئول عن الرفض الجماهيري للتنوير، والانحراف عن الفاعل التنويري، لحساب التقليد والجمود، ولصالح الفاعل التقليدي المنتج لخطاب الخرافة التي ترضي عواطف الجماهير، والموغل في أسطرة التاريخ الذي لا تجد الجماهير البائسة في سواه عزاء لها عن واقعها، واقع التخلف والانحطاط، وعن هزائم الزعماء الملهمين!.).

أقول أنا الفقير: في هذه الأسطر القليلة على ما فيها من الهلهلة والفيهقة: كذبة صلعاء ومقولة صدق وهو كذوب: أما المقولة الصادقة فهي أن الوعي السلفي هو المسئول عن الرفض، وهو وعي له جذوره الموغلة في التاريخ، شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.

أما الكذب الأقرع فهو يريد أن يفصل بين هذا الوعي وبين الدين ليقول إن الدين لا يصطدم بالظلامية التي يدعو إليها وهذا منتهى الكذب فالوعي السلفي إنما اكتسب قوته وصموده في وجه الاستغراب والتغريب من الدين، وإلا لكان مثله مثل غيره من الدعوات التي قضت نحبها على نصل الوعي الديني.

ثم إن الوعي السلفي لا ينتج الانحراف وإنما ينتج الاستقامة على الحق والثبات عليه..

والفاعل التقليدي الذي يتضجر المحمود هو التقليد والاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، والخرافة التي يريد تحرير الجماهير منها هي ما جاءنا به النبي صلى الله عليه وسلم.. وهذا خطاب معتاد لا نستغربه، وهل يتأمل عاقل من الجُعَلِ طيباً؟

الخطاب السلفي ليس خطاب الخرافة.. والمحمود يعرف- أو ربما يجهل- أن الخطاب السلفي إنما حصد العداوة من كثير من الغوغاء والعامة بسبب محاربته الخرافة ونزوعه إلى العلم وتحرير الإنسان من التبعية الفكرية- لا مطلقاً كما ينادي به الظلاميون كالمحمود وإنما مقيداً باتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

يقول المحمود: (التيار التنويري، وفي كل زمان ومكان في العالم العربي، لم يتعامل مع الجماهير مباشرة، أو لم يسمح له أن يبلغ رسالته؛ دون تدخل من أحد. لقد كان من قدر التنوير أينما حل، أن يقف التقليد منه موقف الخصم اللدود. وهذا طبيعي في سياق خطاب يجاهد انطفاء شعلته المقدسة؛ فيما يتوهم. لكن- وهذا هو المهم- لم تكن المواجهة بين أفراد وأفراد، ولا بين مؤسسات ومؤسسات، وإنما بين أفراد من قبل التيار التنويري، ومؤسسات تقليدية راسخة، تاريخها يمتد لعدة قرون، بحيث أصبحت البنية المؤسساتية للخطاب التقليدي، مقدسة بذاتها، فضلاً عن مضمونها ذي المنحى الرجعي السلفي.

هذه المؤسسات الراسخة في التاريخ، ومنه في أعماق وعي الجماهير التي لم تشب عن طوقه، وبقيت- لجهلها- أسيرة جهله، أو ما يسميه علماً!، هي التي وقفت بالمرصاد لأعلام التنوير كأفراد، ولكل إجرائية تنويرية يراد لها أن تتمأسس في الواقع. وفي هذا تم توظيف كل شيء يمكن أن يفيد في كسب هذه المعركة؛ من خطبة الجمعة، إلى واقع الاستعمار المرفوض من جميع الشرائح الاجتماعية، مروراً بولولة الأدعية وبكائياتها، وحلقات الدروشة وغنائياتها).

أقول: قديماً قيل للكذاب: ما يحملك على الكذب؟ قال: لو تغرغرت به مرة ما نسيت حلاوته).

والذي يبدو أن المحمود قد حُنّك بمرارة كذاب مشهور.. وإلا كيف يستمرئ مثل هذا الكذب علناً على صفحات الجرائد..

أنا أعلم أن الفشل مر.. وأن الخسارة فادحة.. لكن يا محمود (باشا) الواقعية والموضوعية تستلزم الصدق في التحليل مع النفس أولاً ثم مع الآخرين..

الباشا يريد أن يقول لكم: سبب فشل دعوات الظلاميين ليس راجعاً لهم: (يعني بالعامي الجماعة ما قصروا بذلوا جهدهم) لكن السبب هو ما وجدوه من مواجهة وممانعة من قبل مؤسسات سلفية وقفت لهم بالمرصاد. وأنا أقول: إن الأحزاب اليسارية والشيوعية والدعوات العقلانية والتنويرية المزعومة لقيت كل الدعم لا من قبل المؤسسات فقط بل حتى من الدول.. لقد كانت هذه الدعوات- وما زالت- والأحزاب طلائع الغزاة وفرق الموت التي يستعملها الغرب لللاستيلاء على ثروات الشعوب المادية والمعنوية لكنهم فشلوا وارتدوا على أعقابهم بفضل الله ثم بفضل بقايا من الفكر والوعي السلفي الجهادي..

الوعي السلفي الذي ردكم على أعقابكم ليس هو الدروشة في زوايا الصوفية ولا علم الكلام والمنطق في حوزات الرافضة..

بل الوعي السلفي هو الكتاب والسنة والحجة والبرهان والسيف والرمح..

يا محمود (باشا).. الفكر والعلم والوعي السلفي هو الذي بقي منذ أربعة عشر قرناً رغم كل ما تعرض له من مصادمة وتشويه وتأليب للدول عليه.. لأنه يحمل عوامل حياته وبقائه في ذاته..

بعكس كل دعوات الباطل ومنها دعوة الاستنارة المدعان من قبل (فخامتكم).

يقول كيف يستطيع رجل فرد- كالشيخ محمد عبده- أن يواجه معقلاً من أكبر معاقل السلفية في العالم الإسلامي (الأزهر)، بينما معظم شيوخه يطعنون في فكره، وربما في دينه؟ وعندما يحاول توظيف قوى الاستعمار؛ يصبح في خط النار، فيتهم بأن الاستعمار هو الذي يوظفه لصالحه، وليس هو الذي يوظف الاستعمار؛ مع أن التنوير- آنذاك- مستحيل دون التفاعل الإيجابي مع الوجود الاستعماري. لقد كان الاستعمار هو العدو المحتل، ولكنه كان القدوة، والمثال، والأنموذج الحضاري، ومصدر الوعي بالتخلف في الوقت نفسه).

أقول: يظهر أن لسعة الشيخ سعد البريك كوت جنوب القوم.. انظر إلى هذا الاستخفاف.. بل الخفة في الحقيقة.

محمد عبده الذي يسميه هؤلاء إماماً والذي يعود إليه الفضل بل المذمة في انحرافات كبيرة وقعت في الأمة بل كان في حقيقته ذيلاً للمستعمر.. يقول المحمود إنه لم يكن موظفاً عند المستعمر بل كان هو الذي وظف المستعمر..

في ماذا يا ترى؟

في تنوير الأمة من خلال تقديم الأنموذج الحضاري من خلال حسناوات بني الأصفر المتبرجات.. وقد كان ذلك.

ومن خلال القانون البريطاني والفرنسي: وقد كان ذلك.

ومن عقلانية المنهجية المادية في البحث العلمي: وقد كان ذلك.

وأخرج لنا محمد عبده كبار المحاربين لله ورسوله وشريعته حاشا من أنقذه الله مثل الشيخ رشيد رضا.

ثم يقول: هذا الأفاك (فكيف يمكن لأفراد- كعبده- إفهام قوى التقليد ومؤسساته بهذه الحال، وإقناعها بضرورة الخروج من كهوف قرونها الوسطى)..

إلى الله المشتكى.. أي قرون وسطى تريد إخراجنا من كهوفها؟

يبدو أنّه خانته العبارة فقط، هو أراد أن يقول: من أغوار القرون الوسطى: من غار حراء وغار ثور..

الأغوار التي نزل فيها النور الإلهي على محمد صلى الله عليه وسلم فعم به أرجاء الدنيا حتى ضجت الخفافيش من سطوعه.. يعجب المحمود من كيفية إخراج الأمة منه.. نعوذ بالله من هكذا بشر.

يقول: لقد استطاعت قوى التقليد والجمود أن تحاصر التنوير في جيوب ضيقة، بحيث لا يؤثر في مسيرة المجتمع، ولا يفعل في وعي الجماهير؛ فيبقى مخلصاً لمقولاتها، وخاضعاً لرموزها وزعاماتها؛ عبر إخضاعه لجملة من المؤثرات التي تضمن تدجينه واستئناسه في حظائرها. ولتحقيق ذلك؛ قامت باللعب على أوتار المقدس؛ لتصبح الحرب (الجدل الفكري) حرباً مقدسة، يخوضها سدنة التقليد، ومن ورائهم مسلوبو الإرادة من الجماهير الغائبة والمغيبة، لمواجهة خطاب التنوير وأعلامه.

أقول: في الحقيقة أخطأت الأمة كثيراً حين تركت أعلام التنوير من العلم الهمام (المحمود) وذهبت تقلد في جمود وغيبة فكر لمجموعة من الزعامات التقليدية..

وأقول أيضاً: لن أعلق على مثل هذا الكلام إلا بقوله تعالى لأسلاف المحمود: {قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران: 119].

يقول البيك: (كل هذا مؤشر إلى أن هناك علاقة بين صعود خطاب التقليد والمحافظة، وبين تراجع التعليم والثقافة عن مكانتهما كقيمة في السياق الاجتماعي العام. هل كان يمكن- لو كان هناك تعليم نوعي، وسياسة ثقافية تدعم التنوير وقيم الانفتاح- أن تصل مبيعات الكتب التي تتحدث عن الحجاب، وعن تفسير الأحلام، وإخراج الجان، وكرامات الأولياء… إلخ إلى أرقام مليونية، وفي المقابل لا تصل مبيعات كتب الفكر الجاد حدود الآلاف، وأحياناً دون حدود الألف الواحد).

أقول: انظر إلى الحسد.. مع أني لا أدعم هذه النوعيات من الكتب كثيراً- إلا الكتب عن الحجاب- إلا أني أتعجب من هذا الكذب المتعمد: يريد أن يصور الأمة والجماهير بأنها لا تسعى إلا للخرافة، ثم إني أتعجب كيف حشر الحجاب مع إخراج الجان وتفسير الأحلام؟ هل هو عنده خرافة؟ يبدو كذلك.

ومع هذا نقول: إن الأفاك تغاضى عن كتب مفكرين جادين حقاً من الإسلاميين رغم ما فيها من ملاحظات ونواقص ومؤاخذات إلا أننا وإياها في خندق واحد ضد دعاة الظلام وأبواق الغرب- هؤلاء وصلت مبيعات كتبهم أرقاماً فلكية مع أنها حوت روائع الفكر الإسلامي مؤصلة ومفصلة وفيها الفكر المستقيم الذي يعتمد على الكتاب والسنة والتصور الإسلامي..

ثم إن تعجب فعجب وصفه لما يكتبه الأفاكون والدجاجلة من أمثاله بالجدية فضلاً عن كونها فكراً..

الفكر فكران: فكر صحيح يعتمد على قضايا يقينية أو ظنية غالبة معلومة ليصل من خلالها إلى مجهول يقيني أو ظني غالب، وفكر آخر يعتمد على التخيل والكذب وبناء النتائج الكاذبة على المقدمات الكاذبة الخاطئة..

وهذا الأخير هو الذي يصفه المحمود بالجدية ويتأسف من رفض الأمة له!

يا سبحان الله، هل يُلام الإنسان إذا تقيّأ الطعام الفاسد؟ أو هل يُلام إذا رفض ما يتعارض مع طبيعة خلقته؟

وهؤلاء الظلاميون يقدون للأمة ما يتعارض مع طبيعتها وفطرتها ودينها الذي آمنت به ثم يعجبون من رفض الناس لهم.. تباً لهذا الغباء!

يقول: (ولو نظرنا إلى الكتب أو الكتيبات التي تعنون ب(فلان في ميزان الإسلام) لوجدنا هذا الفلاني في الغالب من أعلام التنوير. ومعنى هذا أن الذي يحاكم هذا العلم التنويري، إنما هو شخص يدعي أنه الممثل الشرعي للإسلام، وأن الموضوع في الميزان شخص متهم في دينه. وليس هذا التصنيف من نوع كتب العقاد- مثلاً- كهتلر في الميزان؛ لأن الميزان هنا مطلق، يترك فرصة للجدل العقلي، ولتنوع الرؤى. بينما (ميزان الإسلام) محدد بالإضافة. فليس مجرد محاكمة فكرية، وإنما محكمة تفتيش، باسم الإسلام).

أقول: أحيل هذه الفقرة بمذكرة إدارية لأخينا الشيخ سليمان الخراشي باعتباره أحد الذين وزنوا بعض رواد الظلاميين (المستنيرين).

يقول: (ومما زاد من ضراوة المواجهة بين التيار التقليدي وبين الأطروحة التنويرية برموزها الفكرية والعملية، أن السنوات الأخيرة بدأت تأخذ المجتمع في اتجاه الانفتاح النسبي. وهذا من شأنه أن يعزز مقولات التنوير، ويدعم مواقع أصحابها، ويظهرها وكأنها خيار المستقبل، خاصة وأن المجتمع قد جرّب الانقياد التام للخطاب التقليدي؛ فوجد أنهم- دائماً- في صف التقهقر والارتياب بالحضاري، أي أنه- بعد التجربة الواقعية- وجد أنه خطاب فاشل؛ بدليل أن الخطوات الإيجابية في المجتمع، قد تم القيام بها رغماً عنه، أو- على الأقل- بعيداً عن مبادرته ومباركته. وبهذا أدرك مجتمعنا أن الخطاب التقليدي الذي طالما تماهى معه، أنه أحد أسباب التخلف التاريخي، وأحد أسباب استمراريته؛ حتى وإن عزّ عليه الاعتراف صراحة بهذه الحقيقة المؤلمة).

أقول: الظاهر أن السيد المفكر المحمود تحول إلى (نكت جي) يعني بياع نكت أو أخصائي نكت..

الرجل يستدل بما يُفرض على المتدينين بالإسلام من قبل سلطات الدول دليلاً على أنه خطاب فاشل!

بالله عليكم يا كل العقلاء: هل هذا منطق شخص عاقل فضلاً عن مفكر (جلمود) علم من أعلام التنوير!

وأنا أقول: فإذا كان ما يفرضه المتسلطون والمتنفذون على الأمة من خطوات إفسادية (يسميها إيجابية) دليلاً على فشل الخطاب الإسلامي فإن لفظ الأمة لكم وبصقها على أطروحاتكم وإعراضها عنكم دليلاً أكبر وأكثر قطعية على أن الخطاب التنويري المزعوم خطاب فاشل.. وإلا فأين هي نتائجه أو على الأقل أهدافه التي تحققت!

الجواب: لا شيء إلا الغنا والخنا والتفسخ ومزيداً من التنظير للعربدة تحت شعار الحرية..

يا مستر محمود: قدوتنا وإمامنا (رغم أنفك) محمد صلى الله عليه وسلم علمنا أن العبرة بالعاقبة والمآل لا بالواقع والحال، قال تعالى: {الْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132] وقال: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ } [البقرة:214]..

المؤمن قرير العين بنصر الله وحسن العاقبة.. لا يهزه النصر ويطغيه.. ولا يحبطه الابتلاء ويثنيه لأنه يعلم أنه محن وتصفية وتربية وامتحان للمنافقين والمندسين في الصفوف كأمثال سعادتكم لا كثر الله أمثالكم، ألم تسمع قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ{166} وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ} [آل عمران 166: 167].

يقول: (الجماهير بحكم العلاقة التاريخية، عواطفها مع الخطاب التقليدي، وتتمنى لو كانت النجاة على يديه. ولكنها في الوقت نفسه تدرك- أو بدأت تخطو خطواتها الأولى في سبيل ذلك- أن الخطاب التقليدي لدينا، لا يمتلك أي مقوم من مقومات الحضارة، وفاقد الشيء لا يعطيه. بل على العكس من ذلك، بدأت تتضح الصورة بتفاصيلها المؤلمة، حيث تؤكد في مجملها، أن هذا الخطاب ينطوي على نفور شديد من العلم (العلم الحقيقي، وليست التراثيات الجاهزة التي يتم اجترارها).

أقول: في هذه الفقرة ألمس معاناة المحمود من طعم المرارة، ومن وطأة الشعور بالفشل.

إن الفشل في ذاته أمر مريع.. ويصيب الفاشل بالإحباط.. فكيف إذا كان المصاب نرجسياً مغروراً؟!

لذا بدأ يهذي بما يضحك عليه العقلاء، فهو يقول: إن الخطاب التقليدي- يعني به الخطاب الإيماني الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر- لا يملك أي مقوم من مقومات الحضارة، وأنه ينفر نفوراً شديداً من العلم الدنيوي، وهذا من أكبر الكذب، فلعنة الله على الكاذبين!

يا رجل!
يا هذا!
هب أنّه لا دين يردعك عن الكذب!
وهب أنه لا حياء عنه يمنعك!
ولا عقل يحكمك!
أما لك ولي عن السفه يمنعك ويحوطك عن رفقة السوء!
وهل تعرف أنت شيئاً عن مقومات الحضارة؟!
بل هل تدري ما الحضارة أصلاً قبل أن نسألك عن مقوماتها؟
الحضارة عرفها الوعي الديني السلفي قبل أن تسمع بها أنت ولا قومك.
نعم إن كنت تقصد بالحضارة تلك التي خصبت النواة وأبادت بها البشر فنحن نحمد الله أننا لا نملك مقوماتها.
أو كنت تقصد تلك التي أقامها أسيادك في العراق فكذلك.
أو كنت تقصد بها الحضارة التي شيدت بها ألمانيا في كأس العالم آلاف المواخير وأكواخ الدعارة فكذلك.
أو كنت تقصد بها حضارة الحرية التي تسمح بالمسافدة في الطرقات فكذلك.
كل هذه وأشباهها حضارة لا نعرفها ولا نريدها..

أما إذا قصدت بالحضارة منظومة الأخلاق والمعاملات والسلوك والفكر والأخذ بأسباب الرقي الدنيوي المباح فلا تستيطع أنت ولا ألوف مثلك أن يثبتوا دعوى نفور الوعي السلفي منها..

تلفت حولك يا رقيع وانظر من قادة الشركات الكبرى ومدراؤها ومشغلوها إلا أصحاب التقوى والخطاب الديني..

تلفت حولك وانظر من هم أساتذة الجامعات وقادة الإصلاح الاجتماعي والفكري إلا أصحاب الوعي السلفي..

وهذا يجعلني ألفت النظر إلى خديعة يخدع بها التنويريون أنفسهم وغيرهم وهي أنّ أتباعهم هم النخبة وأتباع الخطاب الديني هم الجماهير وهذا هراء في الحقيقة، بل النخب بكل أطيافها إلا من شذ من الحمقى والمستغفلين- هم رواد أتباع الخطاب الديني.. والجماهير (الأمة) إنما تتبع هؤلاء النخب.. فالحقيقة أنّ الفكر الظلامي مدحور مقهور فاشل على كل الأصعدة وبأكثر من وجه..

يقول أخيراً: (هذا التزحزح الجماهيري الذي بدأ يظهر في السنوات الأخيرة لدينا، لم يجعل الخطاب التقليدي يراجع نفسه، أو يحاول التخفيف من إيغاله في التصدي لخطاب التنوير. ما حدث من هذا الخطاب التقليدي في هذه الفترة، لا يمكن تفسيره إلا بالإحالة على سيكولوجية الإنسان المذعور؛ حيث زاد اضطرابه، وتشبثه بمقولاته، وترويجه التهم الجاهزة، لهذا التنوير الذي بدا- في تصور الخطاب التقليدي- وكأن الزمن يسير لصالحه).

أقول: بل العكس هو الصحيح، فإنّ شعور الحركات والتيارات المُستعمرة فكرياً والموظفة إستعمارياً وفي مقدمتها دعوة المستنيرين (الظلاميين) بالهزيمة وفقدان المقاعد واحداً تلو الآخر وسحب البسط من تحت أقدامهم واحداً بعد آخر جعل خطابهم العمومي المائع اللامز أكثر صراحة في السب والشتم لله ورسوله ودينه وشريعته..

انظر للناتج الإعلامي الموجّه تجده كذلك.

واقرأ في صحافتهم تجدها كذلك.. ومقال المحمود مثال صارخ، وإلا هل كان المحمود يحتاج لأن يسمي دين الله وشريعته التي سطرها الأئمة في كتبهم (التراثيات الجاهزة التي يتم اجترارها) ..

لماذا بدأ هؤلاء بالتصريح بعد التلميح ولماذا أصبحوا أكثر بجاحة وكلاحة.. بعض الناس يحسب أن هذا نتيجة قوة ودعم ونفوذ وهذا غير صحيح..

بل الصحيح أنها انتفاضة الذبيح..

ومقاومة يائسة في آخر رمق ولكن هيهات..

لقد ذُبح المشروع التغريبي من الوريد إلى الوريد.. بأيدي إسلامية وعربية بالذات.. امتدت من المحيط إلى المحيط.. ذبحاً إسلامياً على الكتاب والسنة..

ذبحته أصوات الناخبين التي أسكتت أصوات الناعقين على الخراب .. الذين لا يحسنون إلا الكلام ودعاوى عريضة بامتلاكهم وحدهم المشروع الحضاري المنقذ ومنهم هذا الأفاك الذي نتناول مقاله ..

ذبحته طلقات المجاهدين التي أثبتت أنه في أحلك الأوقات وأصعب الظروف لن تجد الأمة من يمد لها يد العون ويفديها بروحه وماله إلا الخطاب الديني والوعي السلفي.

ذبحته لحية طويلة وثوب قصير وقلب سليم وخلق رفيع وسلوك قويم وعفة وطهارة .. وهي مقومات الحضارة التي ننشدها وينشدها كل فِطري لم يتلوث بزبالة فكر الاستنارة والمستنيرين ..

قال: (يُتبع).

أقول: وسنتبع إن شاء الله.

خاتمة:

اللهم إن هؤلاء آذونا في أحبّ أنبيائك.. وأفضل كتبك.. وأحسن شرائعك.. وأصلح أوليائك.. وقد قامت عليهم حجتك.. فاللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً.. آمين .


أترك تعليقا

إن لنا نحن أبناء هذه الحضارة دين على الشعوب التي حررتها حضارتنا يجب أن نسترده لا بالتفاخر

دأب الغرب العلماني على توجيه الانتقادات للمنهج الإسلامي فيما يتعلق بسجل حقوق الإنسان بالتلميح تارة وبالتصريح تارة أخرى ونسى هذا المشفق على حقوق الإنسان ماضيه الاستعماري الذي قام على قهر الشعوب الضعيفة وسلب خيراتها كما نسى حاضره الذي يقدم النفعية والمصلحة الشخصية على النزعة الإنسانية حتى صارت كلمة حقوق الإنسان شعاراً أجوفا مفرغاً من محتواه العملي، بل نسى الغرب روعة الإسلام في تحقيق المساواة بين أبنائه أمام الله وأمام القانون، فلقد ازدان تاريخ القضاء في الإسلام ببدائع من مواقف قضاة العدل وزها بروائع من انصياع خاصة المسلمين وعامتهم لشرع الله ونزولهم عند أحكامه فكان له في العدل السبق والتفرد بين حضارات الدنيا بأسرها.

خطورة منصب القضاء:

لما كان العدل دعامة الأمم الراشدة حرص الإسلام على تأكيد أهمية دور القضاء وخطورة موقعه في الأمة الإسلامية قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (1).

لكن بريق منصب القضاء وعلو قدره جعل النفوس الضعيفة تهفوا إليه لتحوز الشرف والمكانة في الدنيا متغافلة عن عبء القيام بحقه من واجبات العدل فكان في المنصب هلاكها يوم القيامة، فحرص المرء على الشرف بطلب الولايات أشد إهلاكا له من حرصه على المال فإن طلب شرف الدنيا والرفعة فيها والرياسة على الناس والعلو في الأرض أضر على العبد من طلب المال، وضرره أعظم والزهد فيه أصعب، فإن المال يبذل في طلب الرياسة وطلب الشرف بالولاية خطر جدا وهو في الغالب يمنع خير الآخرة وشرفها وكرامتها وعزها قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].

وقل من يحرص على رياسة الدنيا بطلب الولايات فيوفق بل يوكل إلى نفسه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه-: «يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» (2) وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة» (3)، وعن أبى موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رجلين قالا للنبي -صلى الله عليه وسلم- يا رسول الله أمرنا فقال: «إنا لا نولى هذا من سأله ولا من حرص عليه» (4).

من أجل هذا هاب الصالحون منصب القضاء وتبعاته وحرصوا على دفعه عن أنفسهم، ويروى لنا تاريخ الإسلام في ذلك مواقف مضيئة نذكر منها ما روى من أن عثمان بن عفان عرض على ابن عمر -رضي الله عنه- القضاء فأبى ولما ألح عليه لقبوله مذكرا إياه بأن أباه كان يقضي قال عبد الله: “إن أبى كان يقضي فإذا أشكل عليه شيء سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- وإذا أشكل على النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل جبريل وإني لا أجد من أسأل”.

وروى أن الوليد أراد أن يولي يزيد بن مرثد القضاء فبلغ ذلك يزيد فلبس فروة وقلبها فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجا وأخذ بيده رغيف خبز وعرقا (أي: عظم عليه لحم) وخرج بلا رداء ولا قلنسوة (أي: حاسر الرأس) ولا نعل ولا خف وجعل يمشى في الأسواق ويأكل فقيل للوليد إن يزيد قد اختلط (أي: خرف) وأخبر بما فعل فتركه الوليد، وسأل بعضهم وكيعا عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد فقال: “كان أول من دعا به أنا”، فقال لي هارون: “يا وكيع إن أهل بلدك طلبوا منى قاضيا وسموك فيمن سموا وقد رأيت أن أشركك في أمانتي”، فقلت: “يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وإحدى عيني ذاهبة والأخرى ضعيفة”، فقال هارون: “اللهم غفرا خذ عهدك أيها الرجل وامض”، فقلت: “يا أمير المؤمنين والله لئن كنت صادقا إنه لينبغي أن لا يقبل مني ولئن كنت كاذبا فما ينبغي أن تولي القضاء كذابا”، فقال: “اخرج” فخرجت، ودخل ابن إدريس فسمعنا وقع ركبتيه على الأرض حين برك وما سمعناه يسلم إلا سلاما خفيا، فقال له هارون: “أتدرى لما دعوتك؟”، قال: “لا”، قال: “إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيا وإنهم سموك لي فيمن سموا وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة فخذ عهدك وامض”، فقال له ابن إدريس:” وأنا وددت أنى لم أكن رأيتك” فخرج، ثم دخل حفص فقبل عهده. وجمع عدي بن أرطاة بين إياس بن معاوية والقاسم بن محمد وقال: “إن أمير المؤمنين أمرني أن أولى أحدكما قضاء البصرة فماذا تريان؟”، فقال كل منهما عن صاحبه أنه أولى منه بهذا المنصب وذكر من فضله وعلمه وفقهه ما شاء الله أن يذكر فقال عدي لن تخرجا من مجلسي هذا حتى تحسما هذا الأمر فقال له إياس: “أيها الأمير سل عني وعن القاسم فقيهي العراق الحسن البصري ومحمد بن سيرين فهما أقدر الناس على التمييز بيننا، وكان القاسم يزورهما ويزورانه وإياس لا تربطه بهما رابطة فعلم القاسم أن إياسا أراد أن يورطه وأن الأمير إذا استشارهما أشار به دون صاحبه فما كان منه إلا أن التفت إلى الأمير وقال: “لا تسأل أحدا عني ولا عنه – أيها الأمير – فو الله الذي لا إله إلا هو إن إياسا أفقه مني في دين الله وأعلم بالقضاء فإن كنت كاذبا في قسمى هذا فما يحل لك أن توليني القضاء وأنا أقترف الكذب وإن كنت صادقا فلا يجوز لك أن تعدل عن الفاضل إلى المفضول”، فالتفت إياس إلى الأمير وقال: “أيها الأمير إنك جئت برجل ودعوته إلى القضاء فأوقفته على شفير جهنم فنجى نفسه منها بيمين كاذبة لا يلبث أن يستغفر الله منها وينجو بنفسه مما يخاف”، فقال له عدي: “إن من يفهم مثل فهمك هذا لجدير بالقضاء حري به، ثم ولاة قضاء البصرة”.

مواقف في العدل ناصعة أشبه بالأساطير:

منصب القضاء في الإسلام من أعلى المراتب لقوله تعالى {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} [غافر: 20]، فكان القاضي نائب عن الله في حكمه وفتواه، يقول الإمام الغزالي: “إنه أفضل من الجهاد لأن طباع البشر مجبولة على التظالم وقل من ينصف من نفسه والإمام مشغول بما هو أهم منه فوجب من يقوم به فإن امتنع الصالحون له منه أثموا وأجبر الإمام أحدهم”.

ولقد جاءت دوحة الإسلام برجال وقضاة أفذاذ قوالين بالحق أمارين بالمعروف لا يعصون الخالق في طاعة المخلوق وهؤلاء هم الذين تحتاج الأمة إلى أمثالهم إذ الأمة لا تحتاج إلى شيء من الأخلاق احتياجها إلى العدل والمساواة وعدم الإغضاء على تعدى حدود الله رهبة من السلطان… هؤلاء الذين تحيا بهم الأمم وتشرق بهم الأيام وتعلو بهم قداسة الحق فتطيب بهم الأيام. (5)

فمن مواقفهم الناصعة مع ذوي السلطان ما رُوي أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه افتقد درعا له كانت أثيرة عنده ثم ما لبث أن وجدها في يد رجل يهودي يبيعها في سوق الكوفة فلما رآها عرفها وقال: “هذه درعي سقطت عن جمل لي في ليلة كذا وفي مكان كذا”، فقال الذمي: “بل هذه درعي وفي يدي يا أمير المؤمنين وبيني وبينك قاضي المسلمين”، فقال علي: “أنصفت فهلم إليه”، فلما صارا عند شريح القاضي في مجلس القضاء قال شريح لعلي -رضي الله عنه-: “لا ريب عندي في أنك صادق فيما تقوله يا أمير المؤمنين ولكن لابد لك من شاهدين”، فقال علي: “نعم مولاي قنبر وولدي الحسن يشهدان لي”، فقال شريح: “ولكن شهادة الابن لأبيه لا تجوز”، فقال علي: “يا سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته أما سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»” (6) فقال شريح: “بلى يا أمير المؤمنين غير أني لا أجيز شهادة الولد لوالده”، عند ذلك التفت علي إلى الذمي وقال: “خذها فليس عندي شاهد غيرهما”، فقال الذمي: “ولكني أشهد بأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين”، ثم أردف قائلا: “يا لله أمير المؤمنين يقاضيني أمام قاضيه وقاضيه يقضي لي عليه أشهد أن الدين الذي يأمر بهذا لحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله”.

ويذكر السيوطي في تاريخ الخلفاء أن الخليفة أبا جعفر المنصور كتب إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة كتابا فيه: “انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها إلى القائد”، فكتب إليه سوار: “إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر فلست أعطها لغيره إلا ببينة”، فكتب إليه المنصور: “والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد”، فكتب إليه سوار: “والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجها من يد التاجر إلا بحق”، فلما وصل كتابة إلى المنصور قال: “ملأتها والله عدلا فصار قضاتي تردني إلى الحق”.

ومنهم القاضي المنذر بن سعيد البلوطي الذي ولي القضاء بقرطبة أيام عبد الرحمن الناصر، وناهيك من عدل أظهر ومن فضل أشهر ومن جور قبض ومن حق رفع ومن باطل خفض كان مهيبا صليبا غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم، استعفى مرارا من القضاء فما أعفي، ويروى أن الناصر أراد أن يبني قصراً لإحدى نسائه، وكان بجوار المكان دار صغيرة وحمام لأيتام تحت ولاية القاضي، فطلب شراءه فقالوا: “إنه لا يباع إلا بإذن القاضي نسأله بيعه”، فقال القاضي:” لا، إلا بإحدى ثلاث: حاجة الأيتام أو وهن البناء أو غبطة الثمن”، فأرسل الخليفة خبراء قدروهما بثمن لم يعجب القاضي فأباه وأظهر الخليفة العدول عنهما والزهد فيهما وخاف القاضي أن يأخذهما جبرا فأمر بهدم الدار والحمام وباع الأنقاض بأكثر مما قدر الخبراء، وعز ذلك على الخليفة وقال له: “ما دعاك إلى ذلك؟”، قال: “أخذت بقول الله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} [الكهف: 79]، لقد بعت الأنقاض بأكثر مما قدرت للدار والحمام وبقيت للأيتام الأرض فالآن اشترها بما تراه لها من الثمن”، قال الخليفة: “أنا أولى أن أنقاد إلى الحق فجزاك الله عنا وعن أمتك خيرا”.

ومواقف العدل حتى مع الأبناء فلذات الأكباد، ومما يروى في ذلك أن ابن شريح القاضي قال له يوما: “يا أبت إن بيني وبين قوم خصومة فانظر فيها فإن كان الحق لي قاضيتهم وإن كان لهم صالحتهم”، ثم قص عليه قصته فقال له شريح: “انطلق فقاضهم”، فمضى إلى خصومه ودعاهم إلى المقاضاة فاستجابوا له ولما مثلوا بين يدي شريح قضى لهم على ولده، فلما رجع شريح وابنه إلى البيت قال الولد لأبيه: “فضحتني يا أبت والله لو لم أستشرك من قبل لما لمتك”، فقال شريح: “يا بني والله لأنت أحب إلي من ملء الأرض من أمثالهم ولكن الله عز وجل أعز علي منك، لقد خشيت أن أخبرك بأن الحق لهم فتصالحهم صلحا يفوت عليهم بعض حقهم فقلت لك ما قلت”.

وقد كفل ولد لشريح رجلا فقبل كفالته فما كان من الرجل إلا أن فر هاربا من يد القضاء فسجن شريح ولده بالرجل الفار وكان ينقل له طعامه بيده كل يوم إلى السجن.

(إن لنا نحن أبناء هذه الحضارة دين على الشعوب التي حررتها حضارتنا يجب أن نسترده لا بالتفاخر الكاذب ولا بالأماني والأباطيل بل بمعرفتنا لقدر أنفسنا وقيمة حضارتنا وسمو تراثنا واستحقاقنا لأن نكون الأمة الوسط التي تشهد على الناس وتقودهم إلى الخير والحق والكرامة ولعلنا فاعلون إن شاء الله) (7).

9/10/1428هـ

أترك تعليقا

فيترسخ المفهوم في ذهنه، ولا نكون مضطرين إلى شرح المفهوم بصورة لا تتناسب مع عمره

أبناء الدعاة من أخطر مسائل الدعوة لأن هؤلاء الأبناء هم الامتداد الإنساني للدعوة.

وهذه المسألة التربوية لها عدة أبعاد:
- الأب الداعية
- أبناء الداعية
- مقتضيات الدعوة

الأب الداعية
- والداعية إلى الله شخصية قوية مؤثرة بطبيعتها، ولا بد أن يكون لهذه الصفة أثر في تربية الأبناء، والجانب الإيجابي لهذا التأثير هو القدرة على التعامل مع الأبناء بهذه الطبيعة المؤثرة.

أما الجانب السلبي فهو طغيان هذا التأثير على الشخصية المتكونة للأبناء؛ حيث لا يجد الابن لنفسه وجودًا بجانب أبيه، وهو الأمر الناتج عن يأس الابن من إمكانية مواجهة الأب أو حتى التفاهم معه؛ فيؤثِر السلامة بالانقياد.. ليكون الحق والواجب هو رأي الأب وتصرفاته.. وهي حالة لها أخطارها التربوية المحققة:

منها: سلبية الإبن في التفكير ومواجهة المشاكل.
ومنها: الانفصال، والانفصام، والتمرد، والانشقاق في أقرب فرصة يراها الابن مواتية ويرى نفسه قادرا عليها، بحثا عن ذاته التي فقد الإحساس بها مع أبيه.

وأمام هذه الأخطار تتحدد عدة واجبات:
- واجب أن تفسر القوة في شخصية الأب على أنها من الإسلام: وليست صفة شخصية بحتة، وأنه مع كون موجبات الاقتداء به مضاعفة -كأب وكداعية- إلا أنه بشر يخطئ ويصيب.

- واجب تحكيم الشرع في الأسرة: وعندما يكون الشرع هو الحكم بين جميع أفراد الأسرة -بما فيهم الأب- تصبح القوة في شخصية الأب محكومة بالشرع ومحفوظة من الطغيان، ويصبح قبول الأب الداعية للنصيحة من أبنائه أمر واجب؛ فيرى الأبناء في أنفسهم القدرة الكافية لإقامة علاقة حكيمة مع أبيهم.

- واجب أن يجعل الأب ابنه يفهم أنه الامتداد الطبيعي له: وأن أي ميزة قد يراها الابن في أبيه هي ميزة له؛ ليتحقق التوافق والتوحد بغير ذوبان لشخصية الابن في شخصية أبيه.

- واجب إسلام مشاعر الأب تجاه أبنائه: فالأب الداعية بكل ميزاته الشخصية هو بشر قد يصيبه الضعف في علاقته بأبنائه، وقد يكون لضعفه نفس أثر قوته، فإذا كان لقوته أثر من الشدة على أبنائه فقد يكون لضعفه نفس الأثر؛ لأن الخوف من الركون إلى الدنيا والأبناء قد يتجه بالأب الي عدم الجلوس إلى الأبناء وملاطفتهم حتى لا تنشأ عنده عاطفة تمنعه من القدرة على تركهم إذا اقتضت ضرورة الدعوة ذلك، وهو تصرف ناشئ عن تصور خاطئ للدعوة.

والصحيح: أن يؤمن الداعية أن القلوب بيد الله، وأن الله سبحانه الذي وضع الرحمة في قلب الأب لابنه هو سبحانه الذي يعينه علي فراق أبنائه إذا اقتضت الدعوة ذلك؛ فيجب إسلام المشاعر لله في كل الأحوال.

والداعية شخصية حكيمة متوازنة قادرة على التعامل مع أعلى الاهتمامات وأشدها وأبسط الاهتمامات وأرقها، ومن هنا يجب على الداعية ألا يتجاوز بعلوِّ اهتماماته تعامله الصحيح مع أبنائه.

وهذا موقف إعجازيًّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تلتقي فيه أعلى درجات الهِّمة في الدعوة مع أقوى درجات الرحمة بالصغار، وهو الوارد في حديث أنس ابن مالك، قَال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ .. كَانَ فَطِيمًا .. فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَآهُ قَالَ: «أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» قَالَ: فَكَانَ يَلْعَبُ بِه([1]).

ومن أهم مقتضيات الحكمة والتوازن في التعامل مع الأبناء الحذر من الانشغال عن الأسرة والأبناء بمهام الدعوة، والنظر إليهم على أنهم أمرًا دنيويًّا لا يجب أن يشغله.

والصواب: هو اعتبار الأبناء من أهم قضايا الدعوة وهو ما تبين من الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ» [صحيح مسلم ج5 ص160) ] ([2]).

ولكن مقتضيات الدعوة تحتم إعطائها الإهتمام الواجب، لذا يصير من الضروري على الداعية معالجة أثر هذا الاهتمام في نفس أبنائه، حتى لا يفهموا أن اهتمام أبيهم بأمر المسلمين على أنه تقصير في واجبه معهم، وفي هذا الإطار يجب أن يفهم الأبناء أن الاهتمام بأمر المسلمين واجب شرعي «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»([3]) و ليس ذلك فقط؛ بل هو بركة ستصل إلى الأبناء ليصبح الأبناء علي يقين بأن الله يعين العبد الذي يهتم بأمر المسلمين على أداء واجبه نحو بيته وأسرته فييسر الله له القيام بجميع الواجبات.

ومن الأفضل أن يفسر الأب لأبنائه هذه الحقيقة القدرية بصورة عملية، فإذا أكرمه الله في أمر فسَّر ذلك لأبنائه بأن ذلك كان بعد عون قدَّمه لأحد إخوانه.

أبناء الداعية
والداعية في ظروف ومعاناة الاستضعاف وقلة استجابة الناس لدعوته يتجه نفسيًّا إلى معالجة هذه المعاناة بالتركيز على أبنائه باعتبارهم في حالة استجابة طبيعية كأبناء؛ فيسعى الأب -وبكل قوته- في جعل أبنائه نموذجًا كاملًا لقضايا الدعوة دون اعتبار للمرحلة الزمنية التي يمر بها الأبناء..
فيحب أن يراه عالما مجاهدا فذًّا في أقل وقت ممكن؛ فيلقنه المصطلحات العلمية الصعبة ويربيه التربية القاسية أملا في أن ينشأ التنشئة القوية..

وفي إطار هذا الخطأ تحدث أخطاء تربوية منها:
- عدم الموازنة بين مقتضيات الدعوة وحق الطفولة:
ومن هنا يجب مراعاة السن في تأصيل منهج الدعوة عند الأبناء؛ ولكن هذه المراعاة يجب أن تقوم على أساس أن الطفل في واقع الدعوة له سمات خاصة أهمها التميز الناشئ عن الخبرة المكتسبة من الحياة داخل بيت الدعاة، والعمر العقلي السابق للعمر الزمني لأبناء الدعاة مما يتطلب مستوى خاصًّا للتعامل.

ويجب توجيه الإخوة المحيطين ببيت الدعاة إلى ضرورة التعامل مع أبنائهم بالمستوى المطلوب؛ وحديث رسول الله لابن عباس هو الدليل؛ عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم يومًا، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»([4]).

ولعل أول كلمات الحديث: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك».
وآخر الكلمات: «رفعت الأقلام وجفت الصحف» تدل علي المستوي الذي يمكن أن تنعامل به مع الأبناء.

وفي إطار التربية الفكرية للأبناء يجب الإقرار بأن الأب يحب أن يرى الناسُ ابنَه متميزا؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِىَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ، حَدِّثُونِى مَا هي؟» فَوَقَعَ النَّاسُ في شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ في نفسي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «هي النَّخْلَة».
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ في نفسي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لي كَذَا وَكَذَا([5]).

ولكن يجب الانتباه في ذلك إلى خطر الرياء والحد الفاصل بين الرياء والمباهاة بالابن وبين الفرح بما عليه الابن من الخير هو الإخلاص.

وفي إطار التوازن في التربية ومقتضيات الدعوة تأتي مسألة الترسيخ التربوي للمفاهيم وأهم مثال يخص أبناء الدعاة من تلك المفاهيم ..مفهوم المفاصلة.

والتربية العقدية هي أساس المفاصلة التي تتحدد بها علاقة الابن بالمجتمع..

ويجب مراعاة عمر الابن عند محاولة ترسيخ مفهوم المفاصلة مع المجتمع بتقاليده الجاهلية.

وأنسب أسلوب لهذه المراعاة هو إنشاء إحساس المفاصلة من خلال حب الإخوة القريبين من الأبناء؛ حيث سيضعهم هذا الحب في حالة مقارنة تلقائية بين الإخوة وبين الناس الذين يقترب منهم أو يتعامل معهم لتكون المقارنة لصالح الإخوة وأخلاقها؛ فيثبت لديه الفرق بين هؤلاء وهؤلاء، فتنشأ عنده مشاعر المفاصلة بصورة نفسية سهلة وتتكون النظرة الشرعية للمجتمع باختصاص المقربين من الأب بصفة “أخ”، والتفريق في ذلك بين الأخ.. و الجار.. والزميل.

ومن هنا يجب التنبه إلى عدم ذكر الإخوة أمامه بسوء، وأن يخفي عنه أي تصرف غير مرضي قد يصدر عن أحد الإخوة.

كما يجب التنبيه على أن حل مشاكل الإخوة في بيت الداعية قد يعطي انطباعًا بأن هذا هو الوضع الطبيعي للإخوة؛ لذا يجب الحرص على أن يرى الابن نماذج وأمثلة صحيحة وطبيعية وبلا مشاكل حتى لا يفقد الأبناء ثقتهم في حياة الإخوة.

ومن الحكمة في تحقيق المفاصلة تحديد علاقة الابن بأصدقائه الذين يعايشهم في المجتمع..

فالمفاصلة لا تعني قطع كل صلات الابن بالمجتمع، بل لابد أن يكون له أصدقاء، والصواب أن يكون أبناء الإخوة الآخرين هم أول أصدقائه؛ لأنهم يعيشون ظروف واحدة؛ أما بالنسبة لغير أبناء الإخوة فيجب دخول الأب كطرف ثالث مع الأبناء وأصدقائهم..

مع مراعاة أن اختيار الابن للأصدقاء أول مظاهر الإحساس بالذات عند الابن؛ فيجب مراعاة ذلك في معالجة المسألة بإقرار حق الابن في اختيار أصدقائه بعد توضيح أهمية التزام الشرع في اختيار الأصدقاء مع متابعة تلك العلاقة واعتبار واقع المجتمع الذي يعيشه الأبناء من حيث التأثر به ومن حيث التعامل معه..

فيجب متابعة الابن لمعالجة أي أثر يحدثه المجتمع فيه، والانتباه لخطر إهمال هذه المتابعة.
ومن الخطأ منع الأب الداعية ابنَه من الاحتكاك بالمجتمع، حتى لا يعيش في أبراج صنعها لنفسه بخياله، حتى لا يصطدم بالواقع الحياتي الذي يجب أن يعيشه.

والقاعدة في معالجة مشكلة احتكاك الأبناء بالمجتمع هي التكوين الفكري والوجداني الذي يجعله قادرا بإذن الله على مواجهة أي مشكلة قد تقابله إذا خرج الى المجتمع.

وفي إطار إعداد الابن لمواجهة المجتمع تناقش مشكلة التسمية، فقد يتعلق الأب الداعية بشخصية أو كلمة قرآنية فينشأ في نفسه رغبة في تسمية أبنائه بمسميات تغذي هذا التعلق مثل أن يتعلق بشخص سيدنا يونس عليه السلام، فيسمي ابنه “ذا النون” مما يكون سببا في معاناة الولد مع قرنائه وهم يحاولون فهم اسم زميلهم في الوقت الذي كان من الممكن أن يسميه “يونس” وهذا المثل المضروب ومعاناة الابن منه حادث في الواقع فعلا.

والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا مراعاة الآثار الواقعية المترتبة على التسمية؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسْمهَا بَرَّةَ فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْمَهَا جُوَيْرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ)([6]).

والقاعدة في موضوع التسمية هي محاولة الاقتراب من التسميات القرآنية والسلفية، ولكن بدرجة فيها اعتبار رد فعل المحيطين بالابن لتنتشر هذه التسمية بصورة سهلة وآمنة.

مقتضيات الدعوة
والإحساس الطبيعي بالأب عند الإبن أن أباه أعظم الناس
صحيح البخارى – [ج 12 / ص 431]
3671 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِى رَاشِدٍ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: “قُلْتُ لأَبِى أَىُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -؟”، قَالَ أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: “ثُمَّ مَنْ؟”، قَالَ: “ثُمَّ عُمَرُ”، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قُلْتُ: “ثُمَّ أَنْتَ”، قَالَ: “مَا أَنَا إِلاَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ”.

هذا الإحساس يكون من الخطر معه أن يري الإبن أباه -وهو مثله الأعلي في المكانة- يهان ويُساق أمام عينه ويؤخذ من بيته فقد يحدث ذلك إحباطًا في نفسه يبقى معه وقتًا طويلا؛ لذا يتطلب الأمر من الزوجة تفهيم الأبناء -وبصورة مناسبة- معنى استعلاء الإيمان، وأن أباهم من هؤلاء المؤمنين المستعلين بإيمانهم، وأن من أخذوه هم الأذلاء.

كما يجب أن تعالج الزوجة إحساس الرغبة في الانتقام الذي ينشأ عند الابن عن هذا الموقف بحيث تبقي في نفسه نوعًا من الإحساس الذي يمكن ترجمته فيما بعد في صورة منهجية صحيحة دون أن يتحول هذا الإحساس إلى عقدة تعجزه أو أن يتبدد الإحساس دون الاستفادة منه.

وغالبا ما يكون اتجاه التربية بعد أي محنة شديدة هو إتجاه الأباء الي الابتعاد بالأبناء عن مشاكل الدعوة وأخطارها، مكتفين بدورهم ظنا منهم أن ما كان منهم سيرفع عن أبنائهم واجب الدعوة إلى دين الله، وهو اتجاه خاطئ وجزاؤه عند الله أن يحرم الله الأباء من قرة أعينهم بأبنائهم الذين بخلوا بهم على الدعوة.

ومن الممكن كذلك أن يكون أثر المحنة هو محاولة الأبناء أنفسهم الابتعاد عن مجال الدعوة، ومن هنا يجب غرس الإحساس لديهم بمسئولية الدعوة.. وأن موقفهم ومسئوليتهم ليست تابعة لآبائهم، ولكنها مسئولية مستقلة سيسأل عنها وحده أمام الله، مما يجعله قادرا علي مواجهة مثل هذه المواقف الخطيرة مثلما كان من فاطمة رضي الله عنها.

عن عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد وحوله ناس؛ إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور، فقذفه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة فأخذته من ظهره ودعت على من صنع ذلك([7]).

كما يجب البحث عن أنسب الأساليب لتفسير المواقف والأحداث التي يعيشها الأبناء في واقع الدعوة؛ مثل أن يسأل الابن أمه عندما يقبض على أبيه: “أين أبي؟”.

قد تكون الإجابة: مسافر أو في العمل، ولكن هناك إجابة أفضل وهي أن تقول له: هو في سبيل الله..

فيترسخ المفهوم في ذهنه، ولا نكون مضطرين إلى شرح المفهوم بصورة لا تتناسب مع عمره، ولكن الإجابة ستجعل الابن يحتفظ بالمفهوم في نفسه وعقله إلى حين يكبر ويستطيع استيعابه بصورة عقلية مناسبة.

ومن الخطأ شكاية الأم أمام أبنائها من المعاناة التي تعانيها من غياب الأب؛ لأن ذلك سيعطي للابن مبرر التفادي المستقبلي لطريق الدعوة؛ لأن المعاناة التي يسمعها من أمه سيكون لها وقع ضخم على نفسيته باعتباره طفل صغير لا يتحمل بسهولة أن يرى أمه تبكي.. أو تقبل صدقة فيشعر بمهانة آخذ الصدقة ومن يعيش عليها..

ولذلك يجب أن يفهم الابن أن هذا هو الوضع الشرعي والطبيعي، وأن ما يريحه نفسيًّا هو الشعور بأنه سيكون يومًا ما بجانب من يحتاج إلى مساعدته الاجتماعية كما يتقبلها هو الآن.

وغالبا ما يخفف أهل الداعية من وطأة الاستضعاف بسرد بطولات الأب مع أبنائهم، فيجب أن يكون السرد واقعيًّا ومناسبًا للمرحلة التي يعيشها الابن حتى يستفيد منها الابن ولا يختل تصوره عن الواقع.

والأحاديث مع الأبناء عن بطولات الإخوة بصورة غير واقعية وقبل الوقت المناسب يجعل هذه البطولات في إحساس الابن مجرد خيالات ذهنية قد تدخله في حالة مرضية..

ولكن الصواب: أن يكون ذكر هذه البطولات في وقت يستطيع فيه الطفل استيعابها؛ لتكون حساباته لها بنفس الواقعية، ويتكون عنده الدافع إلى ممارستها بنفس الواقعية التي أحس واستوعب بها هذه البطولات ابتداء.

وفي إطار معايشة الأبناء للمحن تأتي مشكلة زواج بنات الداعية:
فعندما تكبر ابنة أحد الدعاة ذوي التاريخ الخطير فإن هذا الخطر سيجعل زواجها صعبًا؛ لأن الناس ستخاف خطبتها والزواج منها حتى لا يصيبهم مكروه بسببها وسبب أبيها..

عندئذ تكون هذه الفتاه في حاجة إلى الإحساس المستمر بقيمة الدعوة التي كانت موضوعًا لهذا الخطر الذي أصبح مانعًا أو مؤخرًا لزواجها..

وفي إطار معالجة هذه المشكلة يجب أن يكون تفكير الدعاة الآباء متجهًا في تزويج أبنائهم وبناتهم إلى معالجة هذه المشكلة بأن يكون الاختيار من مجال الدعوة بين الأبناء والبنات، ولكن بشرط ألا يتم الزواج لمجرد علاقة شخصية بين الآباء في مجال الدعوة، ولكن يجب أن يكون الاختيار طبيعيًّا والقبول متحققا من الناحية النفسية والقلبية حتى يصير الزواج صحيحًا.

خاتمة
والحقيقة أن كل الموضوعات في هذا المجال يمكن تحديد أساس عام لمناقشتها؛ وهو تربية الأبناء على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأساس ليس أساسًا عاطفيًّا بل تربويا وموضوعيا..
لأن هذا الحب سيجعل الابن يدرك أن اتجاه أبيه في الحياة هو اتجاه سيد الخلق، وأن اتجاه الأب الداعية له جذوره العظيمة ليس اتجاهًا غامضًا هامشيًّا..

وعندما يكون الانتماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يكون العز الذي لا وهن ولا حزن معه في كل احتمالات وظروف الدعوة الصعبة..

وعندما يرى أباه يؤذى أمامه يتذكر ما حصل من الأذى لأفضل الخلق صلى الله عليه وسلم؛ فيتحمل نتائج هذا الموقف باطمئنان..

وعندما يطمئن إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون لأي إنسان أي أثر على شخصيته ؛ فيتجاوز الابن خطر البحث عن مثل إنساني له بعيدا عن شرع الله..

وعندما يمتلأ قلب الابن بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تتأصل نظرته إلى الناس، فيحب من يحب الرسول ويكره من لا يوقر الرسول، بل ويسعى في محاربة من يؤذي الرسول و يعادي شرعه ودينه مثلما كان في غزوة بدر:
عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ في الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يميني وشمالي فَإِذَا أَنَا بِغُلاَمَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ: “يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟”، قُلْتُ: “نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَابْنَ آخي؟”، قَالَ: “أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سوادي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا!”، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ لِى مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِى جَهْلٍ يَجُولُ فِى النَّاسِ، قُلْتُ: “أَلاَ إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الذي سألتماني”، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟» قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: «هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالاَ: “لاَ”. فَنَظَرَ في السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: «كِلاَكُمَا قَتَلَهُ» سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوح. وَكَانَا مُعَاذَ ابْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ([8]).

وبذلك نعلم أن حب أبناء الدعاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم… قضية تربوية جامعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) رواه البخاري ومسلم. والنغير: تصغير نغر، وهو طائر يشبه العصفور، أحمر المنقار.

([2]) عَن مُزَاحِمِ بْنِ زُفَرَ عَن مُجَاهِدٍ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدِينَارًا أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارًا تَصَدَّقْتَ بِهِ وَدِينَارًا أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ.. أَفْضَلُهَا الدِّينَارُ الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ. رواه أحمد.

([3]) رواه مسلم.

([4]) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

([5]) رواه البخاري في صحيحه.

([6]) رواه مسلم في صحيحه.

([7]) صحيح ابن حبان. ([8]) رواه البخاري في صحيحه.

أترك تعليقا

وحتى لا أذهب بعيدًا، لقد حدث بالفعل أن حكم قاضي وهو المستشار محمود عبد الحميد غراب


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:

فيدور مبحثنا حول تعريف معنى الشريعة، وتصحيح التصور في عرضها، وكذلك توضيح وضع الشريعة في ظل القوانين العلمانية، وذلك حتى لا تصبح كثير من قضايانا العقدية مجرد كلام أو شعارات لا يعرف المرددون له معناه ولا مقتضاه العملي، وبالله أسال التوفيق والسداد.

جولة مع المصطلحات:

1-الشريعة:

المعنى اللغوي: قال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الجاثية: 18]. يقول القرطبي رحمه الله في قوله تعالى {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ}: “الشريعة في اللغة: المذهب والملة ويقال لمشرعة الماء وهي مورد الشاربة: شريعة ومنه الشارع لأنّه طريق إلى المقصد” [1].

المعنى الاصطلاحي: الشريعة: ما شرع الله لعباده من الدين والجمع الشرائع والشرائع في الدين: المذاهب التي شرعها الله لخلقه.

قال ابن عباس: “على شريعة أي: على هدي من الأمر”.

وقال قتادة: “الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض”.

وقال مقاتل: “البينة لأنّها طريق إلى الحق”.

وقال الكلبي: “السنة لأنّه يسن بطريقة من قبله من الأنبياء”.

وقال ابن زيد: “الدين لأنه طريق النجاة” [2].

2- الحكم:

الحكم في اللغة: هو المنع ومنه قيل للقضاء حكم لأنّه يمنع من غير المقضي.
نقول حكمه كنصره وأحكمه كأكرمه، وحكّمه بالتضعيف بمعنى منعه.

ومنه قول جرير:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضب
أبني حنيفة إنني إن أهجكم أدع اليمامة لا تواري أرنباً

ومن الحكم بمعنى المنع (حكمة اللجام): وهى ما أحاط بحنكي الدابة لأنّها تمنعها من الجري الشديد، والحكمة أيضًا حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس تمنعه من مخالفة راكبه.

الحكم في الاصطلاح: هو (إثبات أمرٍ لأمر أو نفيه عنه)، أو(إسناد أمرٍ إلى آخر إيجابا أو سلبًا نحو زيد قائم وعمرو ليس بقائم).

وينقسم الحكم بدليل الاستقراء إلى ثلاثة أقسام:

1-حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه ( العقل) النسبة إيجابًا أو سلبًا، نحو الكل أكبر من الجزء.

2-حكم عادي: وهو ما عرفت النسبة فيه بالعادة.

3-حكم شرعي: وهو المقصود، وحَدّه جماعة من أهل الأصول بأنّه:
(خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه مكلف به).
فخرج بقوله(خطاب الله) خطاب غيره، لأنّه لاحكم شرعيًا إلاّ لله وحده عز وجل، فكل تشريع من غيره باطل، قال تعالى: {إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} [سورة الأنعام: من الآية 57]، وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [سورة الشورى: من الآية 10].
وقال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [سورة النساء: من الآية 59].

واعلم أنّ الحكم الشرعي قسمان:

أ- الخطاب التكليفي: وهو خمسة أقسام: (الواجب – المندوب – الحرام – المكروه – المباح).

ب- خطاب الوضع: وهو أربعة أقسام: (العلل – الأسباب – الشروط – الموانع) وأدخل بعضهم فيه الصحة والفساد من خطاب التكليف [3].

الحاكمية: مصدر صناعي على غير قياس، لأنّ المصدر الصناعي لا يصاغ إلاّ من اسم جامد كالوطن والوطنية، وكلمة حاكم مشتق لأنّها اسم فاعل [4].

تصحيح التصور في بيان مفهوم الحكم بما أنزل الله

1- مع الجهل بحقيق الإسلام والبعد عنه، ومع جهود المحادين لله ورسوله للصّد عن سبيل الله، أخذت عدّة مفاهيم شرعية تتغير وتتبدل في تصورات النّاس وتنحرف عن معناها الأصلي، ومن تلك المفاهيم التي أصابها الضمور وعدم وضوح التصور الصحيح لها (قضية تحكيم الشريعة) أو ما يطلق مفهوم (الحكم بما أنزل الله)، فقد انحصر مفهوم الحكم بما أنزل الله على شموله واتساعه في بعض أجزائه، فبعضهم يحصره في التشريعات والأحكام المتعلقة بالأسرة من زواج وطلاق وحضانة وغير ذلك، بل إنّ البعض إذا ذُكر أمامه لفظ الحكم بما أنزل الله فلا يكاد يفهم منه غير قطع يد السارق أو رجم الزاني، ويتصور أنّ هذا هو المراد بالحكم بما أنزل الله، وأنّ الداعين إلى تحكيم شرع الله إنّما يدعون فقط لقطع يد السارق ورجم الزاني، ولقد كان هذا الفهم القاصر والمبتور للحكم بما أنزل الله أحد الوسائل والسُبل التي يستغلها العلمانيون لمهاجمة الدعوة إلى تحكيم شرع الله [5].

2- لقد عُرضت قضية (الشريعة) على النّاس على أساس أنّ المسألة مسألة (أفضلية) شريعة الله على الشرائع الأرضية، وهذا أمر لا شك فيه، ولكن مع تبني القضايا القومية والتسابق فيها بين الحركة الإسلامية وغيرها من الحركات من علمانية وشيوعية وما إلى ذلك، فُهم من هذه الأفضلية أنّ قضية الشعب الأولى والأساسية هي (قضاياه القومية)، وأنّ مسألة العقيدة والإيدلوجيات مسألة ثانوية، وأنّ ركونهم إلى أي من هذه الإيدلوجيات المتسابقة لتحقيق مصالحهم القومية لا يمس صميم اعتقادهم كمسلمين في شيء، أي بتحديد دقيق لم يكن هناك ربط بين قضية الشريعة وأصول الاعتقاد أو قضية (العقيدة).

3- وعندما حاولنا أن نبحث عن هذا الربط وجدناه مضطربًا جدًا في مفهوم أصحاب الحركات الإسلامية حتى عند المتحمسين الغيورين جدًا، ومن أجل هذا كانت قضية الشريعة لا تعدو عندهم سوي مسألة من مسائل الانحراف في المجتمع كقضية البدع مثلا أو محاربة المسكرات بعكس ما هو وثيق جدًا في القرآن الكريم، الذي نجده يربط ربطًا وثيقًا محكمًا بين قضية الإيمان وقضية الشريعة كما في قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [سورة النساء: 65]، فنجد هنا ربطًا بين قضية الشريعة وقضية الإيمان، وقاعدة الشريعة بقاعدة الإيمان… ثم نجد ربطًا آخر بين تفصيلات الشريعة وأحكام الفروع المختلفة بقاعدة الإيمان كما فى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة المجادلة: 3-4]، فهو سبحانه وتعالى لم يكتف في القرآن بين الربط بين القاعدة والقاعدة حتى رُبط بين (قاعدة الإيمان) و(فروع الشريعة).

4- ومن أجل عدم الوضوح هذا، لم يستطع صوت الإسلام ممثلاً في الحركات الإسلامية والشعور الإسلامي العام لدى الجماهير، أن يتصدى للعلمانية وأن يحدد موقفه منها بوضوح منذ أن تسللت إلى المنطقة، وكذلك فعلت بعض فصائل الحركات الإسلامية المعاصرة مع النظم والأوضاع المعاصرة التي ورثت العلمانية عن الاستعمار حتى أنّ منها من رضي بالتعايش مع هذه الأوضاع، ويستجدي من هذه النظم الاعتراف به واعتباره كيانًا شرعيا ضمن الحلقة العلمانية نسأل العافية والسلامة.

وضع الشريعة الإسلامية في ظل القوانين الوضعية

للشريعة الإسلامية في ظل القوانين الوضعية وضعَّين:

1-وضع الشريعة كمصدر مادي للقوانين الوضعية.

2-وضع الشريعة كمصدر إلزامي.

أولًا:المصادر المادية:

يقصد منها المصادر التي تغترف منها مادة القانون، وهى متعددة ومتنوعة، كحاجات الأمة، أو القانون الفرنسي أو الشريعة الإسلامية أو استقرار المحاكم على أمر معين، أو آراء فقهاء القانون، وهذه المصادر المادية لا تكون قواعد قانونية إلاّ إذا توافر فيها عنصر الإلزام، فالمصادر المادية بدون عنصر الإلزام لا قيمة لها، يقول السنهوري: “يراعى في الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي التنسيق بين هذه الأحكام والمبادئ العامة التي يقوم عليها التشريع المدني (العلماني) في جملته، فلا يجوز الأخذ بحكم الفقه الإسلامي يتعارض مع مبدأ من هذه المبادئ حتى لا يفقد التقنين المدني تجانسه وانسجامه”. ويقول أيضًا ردًا على سؤال للشيخ عبد الوهاب طلعت باشا، فقد سأله الشيخ: هل رجعتم إلى الشريعة الإسلامية؟! فقال السنهوري: “أو كذلك أنّنا ما تركنا حكمًا صالحًا في الشريعة الإسلامية يمكن أن يوضع في هذا القانون إلاّ وضعناه” [6].

ثانيًا: الشريعة الإسلامية كمصدر إلزامي:

ونرى في هذا الوضع أنّ الشريعة الإسلامية تعتبر كمصدر إلزامي من الدرجة الثالثة، وذلك لأنّ المصادر الرسمية للقانون المصري، والمصادر الرسمية هي التي يستمد منها القانون إلزامه هي:

1- التشريع الوضعي.

2- العرف.

3- مبادئ الشريعة الإسلامية.

4- مبادئ القانون الطبيعي.

5- قواعد العدالة.

(وليست هذه المصادر على درجة واحدة من الأهمية، فالتشريع هو المصدر الأساسي السابق في أهميته، في حين أن المصادر الأخرى لا تعدو أن تكون مصادر ثانوية احتياطية لا يلجأ إليها إلاّ إذا سكت التشريع عن حكم النزاع) [7].

والمادة الأولى من القانون المدني تقول: “تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها أو فحواها، فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه،حَكَم القاضي بمقتضي العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم يوجد فبمقتضى القانون الطبيعي وقواعد العدالة “.

وبالتالي لا تكون لمبادئ الشريعة الإسلامية أي دور أصلًا وذلك أنّ التشريع في الدول الحديثة يكاد يستوعب كل شيء، وإذا وُجد مجال يحتمل أن تقوم فيه بعض التغيرات، فإنّ العرف من وراء التشريع محيط به في شبه شمول، ولا يبقى لمبادئ الشريعة الإسلامية إلاّ النزر اليسير، وهذا كلام الدكتور توفيق فرج أحد رجال القانون في مصر، وبالتالي فإنّ القاضي يحرم عليه الرجوع إلى الشريعة الإسلامية التي ألزم الله سبحانه وتعالى الجميع الاحتكام أو التحاكم إليها مادام الحكم منصوصًا عليه في القانون المدني، وحتى لا أذهب بعيدًا، لقد حدث بالفعل أن حكم قاضي وهو المستشار محمود عبد الحميد غراب بالجلد في جريمة سكر… فماذا كانت النتيجة؟
لقد أبطل حُكمه وأقصي عن العمل في القضاء.

وكان ممّن ذكره رئيس محكمة استئناف الإسكندرية المستشار سعد العيسوي في أوجه بطلان هذا الحكم ما يلي:

1-أنّ من قضى بذلك فقد حنث في يمنيه القضائي الذي أقسم فيه على الحكم بالعدل واحترام القوانين والعدل، في نظر العيسوي هو أن تقضي في الواقعة المعروضة بالعقوبة الملائمة في حدود القانون المطبق. ثم يضيف فيقول: فقضاء هذه المحكمة بقانون آخر غير القوانين المطبقة في ذلك حنث باليمين، فما بالك بمن يطبق أو يخترع قانونًا يعلم أنّه غير معمول به!! (يقصد الحكم بما أنزل الله في الواقعة).

2- وجنائيًا لا يجوز ولا يقبل من القاضي أن يجّرم فعلاً لا ينص القانون على اعتباره جريمة ولا يجوز ولا يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص عليها القانون.

3- أنّ مصدر هذا الحكم لم يعرف شيئًا عن علم العقاب، فقد شدد المشرّع (الوضعي) في العقوبة وجعلها ستة أشهر حماية للمجتمع وهذا أحفظ من مجرد الجلد ثمانين جلدة [8].

وهكذا فالعلمانية ترى وفقهاء القانون الوضعي يرون أن التشريع الوضعي أحفظ لأمن المجتمع من الشريعة الإسلامية، ويرون أنّ الله عز وجل {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [سورة الأعلى: 2-3] لا يعرف شيئًا عن علم العقاب تعالى الله عما يقول الكافرون علّوًا كبيرًا، فهم يقولون بلسان حالهم أنّ زبالة أذهانهم خير وأفضل من حكم الله.

والآن نأتي إلى سؤال آخر ننهي به هذا الجزء من البحث وهو:

ما هو دورنا، وما هي رسالتنا؟

إنّ رسالتنا هي تصحيح المفاهيم وتصحيح التصورات العقدية، وتربية قاعدة مسلمة على هذه المفاهيم الصحيحة والتي تكون ستارًا يتنزل عليها قدر الله بالنصر والتمكين، مع تحديث النفس دائمًا بالغزو وكشف مخططات الأعداء وفضحها، وأن نعمل ليل نهار كل على حسبه وفي مجاله لإحياء هذه الأمة مرة أخرى لتتسلم مكانتها الريادية،وعدم ترك ما يطلق عليه عوام النّاس فريسة سهلة لدهاقنة العلمانية،يلبسوا عليهم ما أردوا من التلبيس، ولا نكون نحن بحركتنا لنصرة هذا الدين مصدر للالتباس وعدم الوضوح، وأن يعرف الجميع أنّ معنى انتمائه للإسلام (أن يقبل شرع الله ويرفض ما سواه).

أسأل الله بكرمه وفضله أن يعفو عن تقصيرنا وأن يرحمنا برحمة من عنده، وأن يثبتنا على الحق ولا يجعلنا نزيغ عنه أبدًا، إنّه ولي ذلك والقادر عليه.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

المراجع:

[1] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي رحمه الله الموسوعة الالكترونية.

[2] المصدر السابق، وانظر الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية لعابد السفياني.

[3] مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي رحمه الله طبعة دار ابن تيمية.

[4] لماذا نرفض العلمانية لمحمد محمد البدري دار ابن الجوزي.

[5] (إن الله هو الحكم) لمحمد بن شاكر الشريف ص19.

[6] “القانون المدني، الأعمال التحضيرية” نقلاً عن الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية للشيخ عمر الأشقر.

[7] مدخل دستوري د.سيد صبري، وانظر لماذا نرفض العلمانيةص48.

[8] انظر لماذا نرفض العلمانية د.محمد محمد بدري ص90،91.

أترك تعليقا

تمثل هذه الحقيقة إحدى المعضلات عند كل من يناظر من النصارى مدافعاً عن دينه الباطل، فقديمًا قال أحمد ديدات رحمه الله لمن يناظرونه، إعطوني نصًا واحدًا من كتابكم

سم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم

تعكفْ القنواتُ الفضائيةُ المختصةُ بالتنصيرِ وغرفُ البالتوكِ التنصيريةِ على إبراز من تسميهم (متنصرين)، ونسميهم نحن مرتدين؛ وقمتُ بتتبع قرابة المائة حالة من هذه الحالات، وأحببت أن أسجل هنا بعض الملاحظات على هذه الحالات أكشف شيئا مما يحدث..

سأغض الطرف عن محاولة مَنْ يُبرزون هذه الحالات التحريضَ على الحكومات بالقول بأنّ أجهزة الدولة في مصر والسعودية خصوصًا وغيرهما عمومًا تعتقل من يرتد عن الإسلام وتعذبهم أشد التعذيب. هم حريصون على إبراز هذا الأمر جيدًا مع أنّه لا يحدث!!، والكل يعرف هذا، لن أتكلم عن هذا الأمر في هذا المقام، ولن أتكلم عن أنّ هذا الكلام يراد منه التغطية على ما تمارسه الكنيسة من ضغط على من يُسلم من رعاياها. ولن أتكلم عن أنّ كثيرًا ممن يدّعون أنّهم مرتدون عن الإسلام كشف الله أمرهم وبان للناس كذبهم فهم نصارى من يومهم لم يسلموا قط، ولن أتكلم عن قلة عددهم، وأن الأصوات تتكرر، وأن الكذب عندهم حلال، قد أحله (بولس) رسولهم، وحمله على رأسه اليوم (زكريا بطرس) كبيرهم وجعله له شعارًا فهو لا يصدق، لن أتكلم عن شيء من هذا، سأفترض أنّهم حقًا كانوا مسلمين ، وأقوم الآن برصد بعض الأمور الخاصة بهؤلاء المرتدين:

الأمر الأول: أجمعوا على رؤية (الله) ـ الذي هو المسيح عندهم ـ، وسماعِ صوته. منهم من يزعم رؤيته ومنهم من يؤكد على سماع صوته فقط.
إحداهن ـ ناهد متولي ـ تقول بينما هي نائمة ـ وتصف ثياب نومها ولا أدري لم؟! ـ إذا بشابٍ حسن الهيئة جميل المنظر يدخل عليها من نافذة الغرفة (الشباك) ويهز السرير فيوقظها ثم يقول لها أنّه هو (رب المجد يسوع) جاء ليخلصها من الإسلام!!.
ولا أدري كيف رأته دخل من النافذة وقد كانت نائمة لم تستيقظ إلاّ بعد أن أيقظها بهزّ سريرها، وقد كشف الله أمرها وبان أنّها لم تكن يومًا مسلمة.

وآخر يقول أنّ بابَ السماء فُتِحَ له وصعد فيه، ورأى في السماء (ربَّ المجد يسوع) بشحمه ولحمه ـ كما يعبر هو ـ، وأنّه لا زال إلى اليوم يصعد للسماء ويرى (الرب) ويسمع صوته، بل ويستعمل هو (الربَّ) في معرفة ما دقَّ وجلَّ من الأشياء، وقد تَسَمَّى بـ (باب السماء)، وهو مشهور معروف. ويكذب كثيرًا في غير هذا، وكذباته تملأ الشبكة العنكبوتية، وتقام عليها جلسات السمر.

وآخر كان متعبًا يمشي هائمًا، وفجأة وقفت سيارة، فركب فيها، ومشت به إلى باب بيته فنزل، ثم تذكر أنّ السيارة عرفت عنوانه دون أن يخبر سائقها بالعنوان، فاستدار ليشكره ويسأله كيف عرف البيت دون أن يخبره، فلم يجد شيئًا.. يقول.. لم أجد السيارة، ولم أجد أثرًا للكاوتش ( الإطار ) ، يقول : من يومها عرفت أنه ( رب المجد يسوع ) . !! ومن ثمَّ ترك الإسلام من فوره و(آمن) بالمسيح!!
ذاك (الدجال) الذي يرافق زكريا بطرس في برامجه، ويقال له (الأخ أحمد).

وآخر يقسم أنّه كان يمشي في العراق جائعًا ومرَّ على صليبٍ منصوب فإذا به يرى المسيح ـ عليه السلام ـ معلقًا على الصليب.. يقسم على هذا.. وإذا بـ (المسيح) ينزل من على الصليب ويعطيه (ساندوتش) في يديه فيأكل ويشبع (1)!!

ـ وأحدهم رأى المسيح نازلًا من السماء راكبًا الغمام، في الثالثة صباحًا (قبل الفجر)، فسأله المذيع، كنت نائمًا أم يقظانًا؟ فسكت قليلا ثم قال: بين النائم واليقظان (2) !!؛ يقول: وهذه الرؤية غيرت حياته بالكامل.. جعلته يترك الإسلام ويتحول للنصرانية!!

ـ وأحدهم اشتد به الكرب في الجزيرة العربية فربط طرفًا من (شماغه) (3) في مروحة السقف وطرفًا آخر حول رقبته، كي يخنق نفسه ويموت منتحرًا، فجاءه (رب المجد يسوع) وفك خناقه وكلمه ومن ثم ارتد من فوره (4).

ويؤكد كبير من كبرائهم أنّ (رب المجد يسوع) يظهر للناس في الأحلام ويظهر للناس في المسجد (5).

وكثيرون يتكلمون بأنهم سمعوا صوت الرب يكلمهم في يقظتهم ومنامهم.

الأمر الثاني: أن كثيرًا ممن تنصر، بل يكاد يكون كلهم ممن يترددون على (الكنيسة)، بأن تكون لهم صداقات مع نصارى أو من باب الفضول.

الأمر الثالث: ويلاحظ أنهم جميعًا في فترة ما قبل الردة مباشرة يجدون بغضًا شديدًا للدين وخاصة القرآن ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وحبًا شديدًا للكنيسة ومَنْ حولهم من النصارى حتى أنه يشتاق للكنيسة.. قلبه معلقٌ بها.. لا يصبر على فراق أصحابه من الكافرين.

قلت: وهذا فِعْلُ السحرُ.

النصارى يستعملون السحر في جذب الناس إليهم، ويستعملون السحر في تبغيض الإسلام إلى الناس، وما يرونه ويكلمونه هو الشيطان.. الذي دخل أجسادهم بالسحر، يُخيَّلٌ إليهم من سحرهم أن المسيح ـ عليه السلام ـ على الصليب، أو يركب الغمام، أو أن صوتًا يناديهم ويكلمهم ببعض الجُمَلْ من الإنجيل، ويعرف هذا جيدا من ابتلاه الله بالسحر، وهم كُثر ـ شفى الله كلَّ مريض ـ فالشيطان يبرز للمسحور بعدة أشكال ويتكلم إليه… يبرز إليه حقيقة ويراه دون مَن حوله ويتكلم إليه، وربما يلمسه (مداعبًا) أو مؤذيًا.

نعم هو السحر ويشهد على ذلك شواهد:

منها شهودُ عيانٍ ممن عادوا إلى الإسلام وثبت أن ما كانوا فيه سببه الرئيس هو السحر، والشهود موجودون يتكلمون لمن شاء أن يستيقن أو يستزيد. وبعضهم أدلى بشهادته في المواقع الإسلامية بالصوت والصورة.
ـ ومن الشواهد على كذبهم في دعوى رؤية الله أو سماع صوته أن كتاب النصارى يقص عليهم أن الله لا يُرى ولا يُسمع صوته.. أكد المسيح ـ عليه السلام ـ على هذا إذ قال: “والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته” إنجيل يوحنا [ 5 : 37 ] ، فلا أدري كيف يرونه وكتابهم ينفي رؤية الله؟!

إنّه ليس الله، إنّه الشيطان.

وإن قيل أن الذي يرونه هو الله متجسدًا (المسيح) كما يزعمون، فهذا الأمر مستحيل. مستحيلٌ من وجهة نظر العقيدة النصرانية فضلا عن العقيدة الإسلامية. ولو قالوا به فإنّهم بهذا ينسفون عقيدتهم، إذ أن (الله) مات من أجلهم.. مات وانتهت القصة.. مات من زمن.. فلا يمكن أن يجيء ثانية.. التجسد كان لهدفٍ ما ـ حسب العقيدة النصرانية ـ وهو الفداء ، وقد مات (الرب) وانتهت القصة من الفي عام تقريبا، فلا أدري كيف عاد ثانية؟!

إنّ هذا الزعم مما لا تقبله العقيدة النصرانية نفسها.

ومن الشواهد على كذبهم في رؤية الله الذي هو المسيح عندهم أن ليس في (الإنجيل) أن المسيح ـ عليه السلام ـ هو الله أو ابن الله ـ بنوة نسب ـ، لم يتكلم المسيح ـ عليه السلام ـ بشيء من هذا ألبته، ولم يعبده أحد حتى التلاميذ، كان يقول عن نفسه أنّه رسول من عند الله، و كل من عاصروه ما عرفوا عنه سوى أنّه رسول من عند الله.

كان يقول لمن خالفه وحاول قتله “ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله”. [ يوحنا 8 :40].

وفي الإنجيل أنّ المسيح ـ عليه السلام ـ كان دائم الصلاة والتضرع لله، الإنجيل في كل صفحاته يشهد بذلك . في لوقا ( 5/16 ) “وأما هو ـ أي عيسى ـ فكان يعتزل في البراري ويصلي، وفي إنجيل متى (26 : 39) ” ثم تقدم قليلاً وخرَّ على وجهه وكان يصلي قائلا: يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس”. وأكثرَ كتبةُ (الأناجيلِ) في الكلامِ عنْ صلاةِ المسيحِ للهِ (مرقص : 1: 35)، (لوقا : 6:12)، (لوقا : 9 : 18)، (لوقا :11 : 1)، ومتى (26 : 39 ـ 44).

فليت شعري إذا كان هو الله فلمن كان يصلي، أيصلي الله لله؟!
تعالى الله.

ومن عاصروه ما كانوا يعرفون عنه إلاّ أنّه نبي؛ دخل ـ عليه السلام ـ مرة أورشليم فارتجت المدينة كلها ـ حسب قول متى [ 21 : 10 ، 11 ] ـ وسألت من هذا ؟ فكانت الإجابة من الجموع الغفيرة من المؤمنين والتلاميذ الذين دخلوا مع المسيح مدينة القدس هي: “هذا يسوع النبـي من ناصرة الجليل”.

وحين بشر به موسى ـ عليه السلام ـ بشر به على أنّه نبي، والمتكلم بهذا (بولس ـ شاول) مؤسس النصرانية، يقول في أعمال الرسل [3 : 22] على لسان موسى ـ عليه السلام ـ ” إن نبيـاً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم”.

وحين أحيا الميت بإذن الله ما كان من الحضور (تلاميذ المسيح وعامة الناس) إلا أن مجدوا الله وقالوا “قد قام فينا نبي عظيم وتفقد الله شعبه” [ لوقا : 7/ 16 ]؛ والأعمى الذي شفاه بإذن الله قال عنه أنّه نبي.. ما فهم الأعمى غير ذلك (يوحنا : 9 : 17).

وألوهية المسيح ـ المزعومة ـ جاءت بعد أن مات المسيح ـ عليه السلام ـ ولم تأتِ من تلاميذ، بل من ألد أعدائه.. أتت من (بولس)، والفداء تكلم به (بولس)، والصلب تكلم به (بولس)، والختان ألغاه (بولس)، والعهد القديم (الشريعة) ألغاه (بولس)، ولم تستقر تلك العقائد إلا في القرن الخامس الميلادي بعد أن سيطر الوثنيون، وهذه الكتب التي بين أيديكم (الأناجيل)، لم يقل أصحابها أنّهم يكتبون وحيًا من عند الله، وإنّما كانوا يكتبون رسائلا لأصحابهم، والذي أعطاها صفة القداسة وجعلها أناجيل هم أهل المجامع (المقدسة). أي أنّها أخذت صفة القداسة من البشر وليس من الله(6) .
فكيف يقال أنّ المسيح هو الله ـ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ، وأنّه يظهر للناس.

من أين لهم بهذا؟!
إن كتابهم لا يقر بهذا.

ـ ومن الشواهد على كذبهم أنّهم يستحلون الكذب!!

نعم يستحلون الكذب، أباحه لهم (بولس)، كان يكذب ولا يستحي، ويسجل كذباته على أنّها (كلام مقدس). وهذا أمر مشهور معروف، وهو يفسر تماديهم في الكذب دون حياء.

ـ ويشهد على أنّ رؤية (المسيح)، من السحر، هو أنّ (المسيح) لا يظهر إلاّ للأقباط ومن تبع الكنيسة المصرية، ولم يكن يظهر في القديم، وإنّما ظهر بعد أن سيطرت جماعة الأمة القبطية على النصارى، ومعروف ومشهور أنّهم استعملوا السحر، وكان كبيرهم (كيرلس السادس) ساحر، ومن شاء يراجع كتاب (لعنة جماعة الأمة القبطية) (7).

ـ ويشهد على أنّ ما هم به من أثر السحر، أو أنّه ليس الحقيقة وإنّما مرض في القلوب ـ نسأل الله العافية ـ جوابهم حين يسألون عن سبب تركهم للإسلام، أو ما يأخذونه على الإسلام، تجدهم يرددون أكاذيب النصارى، وهذا يعني بداهةً أنّهم لم يعرفوا الإسلام إلاّ من أفواه النصارى. مثلا يقولون لأن الإسلام دين الإرهاب.. دين لا يعرف إلاّ القتل، وهذا كذب، وأمارة كذبه هو أنّ النصارى وغيرهم بين أظهرنا إلى اليوم، فلو أنّنا نقتل الكافرين حين نقدر عليهم ما بقي منهم أحد بيننا . وقامت الدعوة الإسلامية ولم يقتل عشر ما قتله (شاول) من الفلسطينيين.

وإحداهن ـ هي أفصح من يتكلم وأشدهم جدالًا لنا ـ تقول أنّها تركت الإسلام لما عرفته عن نبي الإسلام، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وعلى آله وصحبه وسلم، تقول كان يُغيِّر في النساء كما يغير في (جلاليبه ـ ثيابه)، وتستدل بقول الله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا} [ الأحزاب : 52 ].
ولم تكن عنده جلاليب، عاش فقيرًا، يمر عليه اليوم واليومان والثلاث لا يجد شيئا يأكله، ويربط على بطنه الحجر والحجرين والثلاث من شدَّة الجوع، ويسكن في غرفات من طين سقفها الجريد، إن رفع الواقف يده لمس سقفها، وجدار البيت هو جدار المسجد، فإن علا الصوت بالبيت سمع مَن بالمسجد، وينام على الأرض، لم ينم على سرير قط.. ينام على الحصير حتى يُعَلِّمَ في جنبيه. ولم يُطلِّق زوجةً ويستبدل بها أخرى، كما تفتري عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والآية فيها إظهار لفضل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونسائه، ولها قصة يحكيها أهل السنن والتفاسير، قصة تشهد على زهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدنيا وأنّه ما كان ملكًا جبارًا، ولا لاهيًا يعبث مع النساء أو بالنساء، ولكنه كذب الكنيسة يردده هؤلاء المسحورون.

والمقصود هو أنّ هؤلاء المرتدين حين يتكلمون عن الإسلام لا يتكلمون إلاّ بأكاذيب النصارى، ولا يسمعون لنا، ومن يسمع منهم يعود من فوره، وهي أمارة على أن القوم مسحورون، أو أنّها قلوب مريضة تتبع أهواءهم لما في أيديهم.

أقول: هذا ما عند النصرانية.. هذه هي بضاعتهم التي يعرضونها على النّاس، كذب ودجل، أقبل المسيح.. المسيح يأتيك يعطيك (ساندوتش) أو يفك عنك الشماغ…إلخ هذه الحكايات التي لا تنطلي على الصبيان فضلا عن العقلاء من الرجال.

===================

(1) ذكر ذلك أحد المداخلين في برنامج سؤال جريئ.

(2) سؤال جريئ الحلقة 24 د/30.

(3) هو (الشال) في لهجة أهل مصر، يضعه الرجال في الخليج العربي على رؤوسهم.

(4) الحلقة 22 من برنامج سؤال جريئ د/3، وكانت رسالة مكتوبة يقرأها المذيع على أنّها وصلت من كاتب مجهول من السعودية!!

(5) سؤال جريئ 22. د /15.

(6) تمثل هذه الحقيقة إحدى المعضلات عند كل من يناظر من النصارى مدافعاً عن دينه الباطل، فقديمًا قال أحمد ديدات رحمه الله لمن يناظرونه، إعطوني نصًا واحدًا من كتابكم يقول المسيح ـ عليه السلام ـ أنا الله، أو اعبدوني من دون الله أو نحو ذلك، ولا زال الشيخ وسام عبد الله يردد هذا على مدار الساعة من ثمانية أعوام، ولم يجد ديدات ولا الشيخ وسام عبد الله ولا كل من سأل إجابة على هذا السؤال، واستضاف برنامج (سؤال جريئ) المناظر الشهير شرور وسأله أن يأتيه بنص من قول المسيح ـ عليه السلام ـ على أنّه هو الله، فقال كثير جدا خذ هذا النص، وراح يستشهد من (فمبي) وهي رسالة بولس وليس قول المسيح!! ألا ما أقبح الكذب!!

أترك تعليقا

المواضيع السابقة »
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.